آخر الأخبار

تقليص عرض يوم النصر.. مخاوف أمنية تغير تقاليد 9 مايو الروسية

شارك
قوات الأمن تقوم بدوريات أمام الكرملين قبيل يوم النصر في العاصمة الروسية موسكو 2026 صورة من: Alexander Nemenov/AFP

تقيم روسيا كل عام في 9 أيار/ مايو عرضًا عسكريًا تقليديًا في العاصمة موسكو بمناسبة ذكرى يوم النصر في الحرب العالمية الثانية . ولكنها قررت هذا العام 2026 تقليص الاحتفالات. ولذلك لن تسير مركبات عسكرية عبر الساحة الحمراء ، ولن يشارك أيضًا طلاب مدارس سوفوروف وناخيموف العسكرية والفيالق الأخرى.

وبرّرت وزارة الدفاع الروسية هذا القرار بـ"الوضع العملياتي الحالي". وحول ذلك أعلن ديمتري بيسكوف، السكرتير الصحفي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ، أنَّ الاحتفالات هذا العام لن تستخدم فيها معدات عسكرية بسبب "التهديد الإرهابي" القادم من أوكرانيا .

وفي بعض المناطق الروسية، تم إلغاء جميع الفعاليات الجماهيرية بمناسبة يوم النصر. ومثلًا لن تُقام عروض عسكرية في نيجني نوفغورود وساراتوف وتشوفاشيا ومنطقة كالوغا، ولن تُقام عروض للألعاب النارية في مناطق فورونيج و كورسك وبريانسك وبيلغورود.

ونقلًا عن موقع "فونتانكا" الإخباري الروسي لن يُقام أي عرض عسكري في سانت بطرسبرغ أيضًا. كتب صحفيو موقع فونتانكا: "لن تُشاهد حتى دبابة تي-34 المُجدَّدة، التي كانت في السنين الأخيرة أول ما يتم عرضه في العادة". وبدلًا من وجود ثلاث منصات عرض في ساحة القصر، ستكون هناك منصة واحدة فقط، وتتسع لنحو 300 شخص. والمدعوون بحسب موقع فونتانكا هم من قدامى المحاربين في الحرب ضد أوكرانيا ، والتي يطلق عليها في روسيا اسم "العملية العسكرية الخاصة".

أشخاص يمشون في الساحة الحمراء في العصمة الروسية موسكو خلال يوم ثلجيصورة من: Hector Retamal/AFP

من دون معدات عسكرية

يرى المؤرخ النمساوي ماركوس رايزنر، من الأكاديمية العسكرية في فينر نويشتات، أنَّ الهجوم الأوكراني الأخير في مدينة بيرم أظهر "أنَّ أوكرانيا قادرة عمليًا على إصابة أي هدف في غرب روسيا". وفي حوار مع DW أكد رايزنر أنَّ: "خطر التعرض لهجوم شامل يزايد باستمرار على الرغم من وجود شبكة دفاع جوي كثيفة حول موسكو".

ويضاف إلى ذلك أنَّ المعدات والخدمات اللوجستية الضرورية لنقلها تُستخدم وتُستهلك الآن على الجبهة، ولهذا السبب ستغيب عن العرض العسكري، بحسب تعبير رايزنر: "ليس بسبب التهديد الإرهابي الذي يتحدث عنه ديمتري بيسكوف، بل لأنَّ الحرب تلتهم جميع الموارد"، كما قال الخبير رايزنر. وأضاف أنَّ " روسيا لا تزال تمتلك ما يكفي من المعدات، ولكن الخدمات اللوجستية الضرورية لنقلها ذهابًا وإيابًا تمثل جهدًا غير متناسب".

وفي المقابل يرى الخبير العسكري يان ماتفييف أنَّ القوات المسلحة الروسية لديها ما يكفي من المعدات العسكرية، بصرف النظر عن الدفاعات الجوية. وحول ذلك أكد لـDW أنَّ "الدبابات والمركبات المدرعة وناقلات الجنود والمدفعية تُستخدم حاليًا بشكل محدود فقط على الجبهة. ومن الممكن بالتأكيد توفير معدات للعرض".

ولكن على الأرجح أنَّ الكرملين يخشى من أنَّ استخدام المعدات العسكرية في العرض قد يجعلها هدفًا للقوات المسلحة الأوكرانية . ويضيف ماتفييف: "هناك سبب آخر يكمن في أنَّ الكرملين لا يريد لفت الانتباه إلى المعدات العسكرية حتى لا يزيد من غضب الرأي العام المستاء نظرًا لفشل الحرب".

ويقول ماتفييف أنَّ الدفاعات الجوية الخاصة بالعاصمة الروسية قد تمكنت حتى الآن من اعتراض هجمات المسيّرات الأوكرانية بنجاح. ومع ذلك من المستحيل التنبؤ بما سيحدث في حال وقوع هجوم شامل: "يوجد دائمًا خطر يهدد باختراق مسيّرة أو ثلاث مسيّرات الدفاعات الروسية. ومن المؤكد أنَّ جميع التدابير الأخرى، مثل قطع الإنترنت، لن توقفها"، كما يقول ماتفييف.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال العرض العسكري في يوم النصر 2023 في الساحة الحمراء بموسكو صورة من: The Kremlin Moscow/Handout/picture alliance

أهمية العرض العسكري لسلطة الدولة

يشير المؤرخ أليكسي أوفاروف من جامعة الرور في مدينة بوخوم الألمانية إلى أن العروض العسكرية بمناسبة ذكرى يوم النصر في الحرب العالمية الثانية في روسيا ما بعد الحقبة السوفيتية تتبع إلى حد بعيد تقليد العروض الشيوعية احتفالًا بعيد العمال (1 أيار/ مايو) وبيوم ثورة أكتوبر (7 تشرين الثاني/ نوفمبر). ولكن العرض العسكري في 9 أيار/ مايو لم يكن يُقام بشكل منتظم في عهد الرئيس بوريس يلتسين في تسعينيات القرن العشرين.

ويتذكر المؤرخ أوفاروف أنَّ: "السلطة قد حاولت في عامي 1995 و199 استغلال شعار 'الحرب الوطنية العظمى‘ من أجل مصالحها". ويضيف أنَّ سلطة الدولة أرادت بذلك "كسب تأييد الناخبين الشيوعيين وتوحيد مختلف شرائح المجتمع، بما فيها الذين لا يدعمون يلتسين" خلفها.

وبحسب أوفاروف فقد كانت موسكو تولى أهمية كبيرة أيضًا للضيوف الأجانب في هذه العروض العسكرية. ففي عامي 2005 و2010، حضر العروض رؤساء دول وحكومات أوروبية، مثل الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش (في عام 2005 فقط) والرئيس الصيني والعديد من الشخصيات الأخرى.

ولكن مع مرور الوقت تضاءلت أهمية هؤلاء الضيوف في العرض السنوي. وأصبح دورهم اليوم ثانويًا فقط، وذلك بسبب التركيز على إظهار "الوضع الطبيعي والسيطرة"، كما يقول الخبير أوفاروف. ويضيف أنَّ هذا "جزء أيضًا من العرض الرمزي، تمامًا كخطاب الرئيس بمناسبة رأس السنة الجديدة".

ويرى أوفاروف أنَّ عام 2020 أظهر مدى أهمية العرض العسكري بالنسبة لسلطة الدولة الروسية، التي أقامت العرض بالرغم من جائحة كوفيد 19 . وفي ذلك الوقت أراد الكرملين - كما يفعل اليوم - إظهار سيطرته على الوضع، كما يؤكد أوفاروف: "العرض العسكري يجب أن يُقام ببساطة لأنَّه يجب أن يُقام. فهو يخدم في الحفاظ على مظهر الحياة الطبيعية، حتى وإن كانت هذه الحياة الطبيعية باتت تنهار".

وضمن هذا السياق قال الخبير السياسي إيفان فومين لـDW: "تمثل ذكرى الحرب العالمية الثانية وانتصار الاتحاد السوفيتي أداة أساسية في سياسة التذكير التي يتبعها الكرملين. وهذه الروايات تدعم بشكل كبير شرعية النظام. وحتى الحرب الحالية مع أوكرانيا كثيرًا ما يتم تفسيرها من خلال مقارنتها بتلك الحرب". وهذا يفسر سعي الكرملين إلى "الحفاظ على أشكال وإيقاعات التذكير المألوفة".

آثار تغيير العرض العسكري

لا يعتقد فومين أنَّ تقليص العرض العسكري سيؤثر كثيرًا على شعبية الرئيس فلاديمير بوتين أو ثقة الشعب بالدولة. "ربما يصبح دليلًا آخر يدل على عجز الدولة عن التغلب على جميع التحديات الراهنة والحفاظ على الحياة الطبيعية في زمن الحرب"، كما يقول الخبير فومين. ويضيف أنَّ هناك أيضًا مؤشرات تشير إلى هذا العجز حتى من دون العرض العسكري، مثل "عمليات حجب الإنترنت وهجمات المسيّرات وغير ذلك".

ويقول فومين إنَّ العرض العسكري قد يفقد أهميته أيضًا في نظر الكثير من الروس، وذلك لأنَّ الجمهور، الذي كان يشاهد العرض العسكري في السابق بسبب وجود المعدات العسكرية، لن يفعل ذلك في هذا العام وربما أيضًا في الأعوام القادمة.

ويعتقد فومين أنَّ تصريحات ديمتري بيسكوف، الذي ربط فيها تقليص حجم العرض العسكري باحتمال قيام الجيش الأوكراني بأعمال عسكرية، قد يكون لها تأثير على الروس أيضًا. لأنَّ ذلك يُظهر من جهة أنَّ الحكومة لا تستطيع تأمين العاصمة بشكل كافٍ. ولكن من جهة أخرى، قد يكون له أثر عكسي ويزيد من تأجيج المزاج المعادي لأوكرانيا. ويقول الخبير السياسي فومين: "قد يعتبر الناس ذلك إخلالًا من قبل أوكرانيا في احتفالاتهم المعتادة، وضياعًا لفرصة إحياء ذكرى مهمة. وستكون ردود الفعل مختلفة".

أعده للعربية: رائد الباش

تحرير: عماد غانم

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا