احتضنت كلية الحقوق السويسي، يوم الجمعة 17 أبريل 2026، حفل تقديم كتاب”نظام مسؤولية المدبرين العموميين أمام القاضي المالي بين التأصيل والاستشراف”، لمؤلفه إبراهيم بن به، وذلك بحضور نخبة من الأساتذة الجامعيين والقضاة والباحثين وطلبة سلكي الماستر والدكتوراه، في أجواء علمية اتسمت بالنقاش الرصين والتفاعل الأكاديمي.
وفي كلمة افتتاحية بالمناسبة، أكد حسن طارق وسيط المملكة، أن هذا العمل العلمي يندرج ضمن المؤلفات المرجعية التي يصعب اختزالها أو الإحاطة الشاملة بمضامينها، واصفا إياه بـ”الكتاب المهيب” الذي يتحدى القوالب التقليدية في تقديم الكتب وقراءتها، نظرا لغناه المعرفي وكثافته التحليلية.
وأوضح طارق أن أهمية هذا المؤلف لا تكمن فقط في موضوعه، بل أيضا في المنهجية التي اعتمدها، حيث يقدم قراءة معمقة لنظام مسؤولية المدبرين العموميين أمام القاضي المالي بالمغرب، من خلال تحليل سياسات الإصلاح القانوني التي مست منظومة التدبير العمومي، سواء على مستوى مبادئ المالية العمومية أو قواعد المحاسبة العمومية، مع استحضار السياق المؤسساتي والوظيفي لهذه التحولات.
وأشار إلى أن البعد الاستشرافي يشكل أحد أبرز مكونات هذا العمل، إذ يطرح المؤلف إشكالية مستقبل الطابع الثنائي لنظام المسؤولية، في ضوء تقييم دقيق للتطبيقات القضائية الأولى، وما أفرزته من اجتهادات وممارسات تستدعي التفكير في تطوير الإطار القانوني والمؤسساتي المنظم للقضاء المالي.
وفي سياق إبراز القيمة العلمية للمؤلف، شدد حسن طارق على أن هذا الكتاب مرشح لأن يصبح من “كلاسيكيات القضاء المالي المغربي”، بالنظر إلى طابعه الموسوعي، وما يقدمه من مادة علمية غنية تسهم في إغناء البحث الأكاديمي وتوجيه الممارسة القضائية، فضلاً عن مواكبة الفاعلين في مجال التدبير العمومي.
كما استعرض المتدخل أبرز مكونات الكتاب، موضحا أنه يقدم دراسة موسوعية تؤسس لنظرية عامة لمسؤولية المدبر العمومي، باعتبارها مسؤولية شخصية ومستقلة عن المسؤوليات الإدارية والتأديبية والجنائية، فضلا عن تقديم تحليل شامل للتطبيقات القضائية المرتبطة ببدايات تفعيل النظام الجديد.
وحسب وسيط المملكة، فإن الكتاب يقدم أيضا دليلا عمليا موجها للقاضي المالي في مهام المراقبة والتدقيق والتحقيق والتداول، إضافة إلى ملاحق علمية تتناول مؤسسة النيابة العامة لدى الأجهزة العليا للرقابة، وكذا المعايير الدولية في مجال مراقبة المالية العمومية، وكذا جردا دقيقا للاجتهادات القضائية الصادرة عن المحاكم المالية والمكرسة من طرف محكمة النقض.
وكشف حسن طارق عن المسار العلمي الذي قطعه هذا العمل، مبرزا أنه انطلق كأطروحة دكتوراه نوقشت قبل عشر سنوات، قبل أن يخضع لعملية تطوير شاملة استمرت ثلاث سنوات من الاشتغال المتواصل، تميزت بإعادة البناء والتدقيق والإضافة والمراجعة، ما جعله يتجاوز حدود الطبعة المنقحة ليصبح مصنفا موسوعيا متكاملا يجمع بين التأصيل النظري والبعد المقارن والرؤية الاستشرافية.
وفي بعد إنساني وعلمي، اعتبر المتحدث أن تجربة إنجاز هذا الكتاب تمثل درسا جامعيا بليغا في قيمة الاجتهاد والمثابرة، خاصة في زمن السرعة والاختزال، مشددا على أن البحث العلمي الرصين يظل رهيناً بالصبر والجهد والتراكم المعرفي.
وخلص وسيط المملكة إلى أن مؤلف هذا العمل يجسد نموذجا فريدا يجمع بين القاضي والباحث والمسؤول، ليقدم من خلال هذا الإصدار “رحلة القاضي الذي صار فقيهاً”، في انتقال من ممارسة العدالة إلى التفكير فيها، ومن إنتاج الأحكام إلى بناء المفاهيم القانونية.
واختتمت أشغال هذا اللقاء العلمي بفتح باب النقاش، حيث تفاعل الحضور مع مضامين الكتاب، مثيرين جملة من الأسئلة المرتبطة بتطبيقات نظام المسؤولية وآفاق تطوير القضاء المالي بالمغرب، في ظل التحولات التي تعرفها منظومة الحكامة العمومية.
المصدر:
العمق