المهدي الشريف
يشهد المشهد الليبي منذ سنوات حالة من التعقيد المركّب، حيث تتداخل الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية بشكل يجعل من الصعب فصل أحدها عن الآخر. هذا التداخل لم يؤدِّ فقط إلى إطالة أمد الصراع، بل ساهم أيضاً في ترسيخ حالة من عدم اليقين لدى المواطن، الذي بات يعيش بين مطرقة الانقسام وسندان تدهور الخدمات وغياب الاستقرار. في ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى مقاربة فكرية تتجاوز الحلول الظرفية، وتبحث في جذور الأزمة ومسارات الخروج منها.
لقد أثبتت التجربة الليبية، كما تجارب مشابهة في المنطقة، أن الاعتماد على القوة العسكرية كوسيلة لحسم الصراع لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاجه بأشكال مختلفة. فالسلاح قد يفرض واقعاً مؤقتاً، لكنه لا يصنع شرعية، ولا يؤسس لدولة مستقرة. ومن هنا، يصبح الحوار الوطني الشامل ضرورة لا خياراً، حوار يقوم على الاعتراف المتبادل بين الأطراف، ويستند إلى إرادة شعبية حقيقية تسعى لبناء مستقبل مشترك.
غير أن الحوار وحده لا يكفي ما لم يكن جزءاً من مشروع أوسع للمصالحة الوطنية. هذه المصالحة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها تسوية سياسية بين النخب، بل كعملية مجتمعية عميقة تعالج آثار الماضي، وتؤسس لثقافة جديدة قائمة على العدالة الانتقالية، وجبر الضرر، والمساءلة. فالمجتمعات التي لا تواجه ماضيها بصدق، تظل أسيرة له، وتعيد إنتاج أزماته بشكل دوري.
في هذا السياق، تبرز مسألة مأسسة الدولة كأحد المفاتيح الأساسية للخروج من حالة الهشاشة. فالدولة ليست مجرد هياكل إدارية، بل منظومة متكاملة من القوانين والمؤسسات التي تضمن استمرارية الحكم واستقراره بعيداً عن الأفراد وتقلباتهم. إن بناء مؤسسات قوية وفعّالة، تخضع للرقابة الشعبية، وتلتزم بسيادة القانون، يشكل حجر الزاوية في أي مشروع وطني جاد. كما أن الفصل بين السلطات، وتعزيز استقلال القضاء، يعدّان من الضمانات الأساسية لمنع عودة الاستبداد أو تفشي الفوضى.
ولا يمكن الحديث عن دولة حديثة دون الإشارة إلى دور المجتمع المدني، الذي يمثل حلقة الوصل بين المواطن ومؤسسات الحكم. فتمكين هذا القطاع، وإشراكه في صنع القرار، يعزز من الشفافية والمساءلة، ويساهم في الحد من الفساد الذي استنزف مقدرات البلاد، وأضعف ثقة المواطن في الدولة.
أما على مستوى السلطة التنفيذية، فإن التعاطي معها ينبغي أن يكون ضمن إطار مبدئي يقوم على دعم المسارات التي تخدم الاستقرار، دون الوقوع في فخ الاصطفاف أو التبعية. فالدعم الحقيقي لأي سلطة يجب أن يكون مشروطاً بمدى التزامها بخارطة طريق واضحة، تقود إلى انتخابات حرة ونزيهة، وتعيد إنتاج الشرعية على أسس ديمقراطية.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى الأزمة الليبية بوصفها صراعاً سياسياً فحسب، بل هي أزمة دولة وهوية وثقة. والخروج منها يتطلب رؤية شاملة، تتكامل فيها الجهود السياسية والمجتمعية، وتُبنى على أساس من الوعي والمسؤولية الوطنية. إن ليبيا، بما تمتلكه من إمكانات بشرية ومادية، قادرة على تجاوز محنتها، شريطة أن يلتقي أبناؤها على مشروع وطني جامع، يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ويؤسس لمرحلة جديدة عنوانها السلام والكرامة والعدالة.
الأمين العام لتجمع الأشراف من أجل السلام والاستقرار في ليبيا
المصدر:
هبة بريس