آخر الأخبار

الطيب بياض : المؤرخ ليس حفار قبور يعنى بالأموات فقط. الباحث يشخص أزمة الكتابة التاريخية فالمغرب فحوار مع گود" .

شارك

مصدر الصورة

اجرى الحوار عثمان الشرقي – كود //

في سياق صدور كتاب “نحن أمة: السرد الوطني، سؤال المنهج ومتطلبات الفهم”، أجرت كود حواراً مع أحد مؤلفيه، المؤرخ الطيب بياض، أستاذ التاريخ بجامعة محمد الخامس بالرباط، تناول فيه جملةً من الإشكاليات الراهنة في الكتابة التاريخية المغربية، من مكانة التاريخ الشفهي والذاكرة الشعبية، إلى حضور الفئات المهمشة في السردية التاريخية، مروراً بأثر العلوم الحديثة في تجديد المناهج، وصولاً إلى خطر التطاول على حقل التاريخ من غير أهل الاختصاص في زمن الهوس الهوياتي. وفي كل ذلك يُذكّر بياضر بأن المؤرخ المحترف “ليس حفار قبور يُعنى بالموتى فقط، بل هو معنيٌّ بسؤال الحاضر أولاً”.

كتاب “نحن امة” مشترك انجزه المؤرخ الطيب بياض والباحث حسن طارق اللي كيشغل اليوم رئيس مؤسسة “الوسيط”
مصدر الصورة
التاريخ الشفهي والذاكرة الشعبية
المؤرخ ليس حفار قبور يُعنى بالموتى فقط

-1. التاريخ الشفهي والذاكرة الشعبية

كود” :في نظركم، هل التاريخ الشفهي والذاكرة الشعبية في المغرب يحظيان بالمكانة التي يستحقانها وسط الدراسات التاريخية، أم إن التركيز مازال مُنصبا بشكل كبير على المصادر الرسمية فقط؟
المؤرخ الطيب بياض: في البدء كان التاريخ الشفهي، خلال عصر كان فيه الحكي وسيلة لمواجهة الزمن وتموجاته، وكانت الذاكرة الشعبية خزانا لحفظ الوجود البشري من التلف، وشاهدا على ما ينبغي تمريره بين الخلف والسلف، سواء على المستوى القيمي والرمزي أو السلوك المادي. وكانا معاً -اي الحكي والذاكرة- بشكل من الأشكال، تعبيرا عن تمايز الإنسان عن محيطه البدائي المتوحش. لذلك فَهُما في هذا المستوى من الفهم يقعان في صميم تحقق شروط إنسانية لا يمكن إغفالها.

وبعد أن تطورت البشرية، وتطورت معها العلوم والمعارف والمناهج عاد سؤال موقع هذا الذي نشأ منذ البدء مع الإنسان، وأسهم في تحقق إنسانيته، ليُطرح من جديد في العلاقة مع جدواه وفائدته في إثراء البحث العلمي في العلوم الإنسانية والاجتماعية عموما. أعني أن هذا السؤال قبل أن يُطرح بشأن التجربة المغربية في حقل الدراسات التاريخية، كان على امتداد عقود طويلة من القرن الماضي موضوع نقاشات وجدالات بين الباحثين في مختلف فروع العلوم الإنسانية والاجتماعية عبر مختلف جهات العالم. ولأن الكتابة التاريخية في المغرب، تتأثر بمستويات مختلفة بهذا التفاعل الكوني مع الموضوع، ولأن تجربتنا مازالت فتية، في مجال تجديد الكتابة التاريخية وتطويرها، مقارنة مع تجارب رائدة على المستوى الدولي، فإن علاقتنا مع التاريخ الشفهي والذاكرة الشفهية مازالت، في الغالب الأعم، مفتقدة إلى بوصلة نظرية ومنهجية مُوَّجٍهة. تحتاج إلى مجهود إبستيمي محمول على بساط جرأة/ رصانة فكرية لتوظيف التاريخ الشفهي والذاكرة الشعبية بشكل علمي منتج في حقل الدراسات التاريخية في المغرب.

-2. الفئات المهمشة في التاريخ

كود” : في الكتابة التاريخية المغربية، هل حضور النساء والفئات المهمشة يظهر بالشكل الكافي في السردية التاريخية، أو مازالا معاً عُرضة للتهميش؟
المؤرخ الطيب بياض: إن كان السؤال يهم مستوى اهتمام الباحثين المغاربة في حقل التاريخ بموضوع النساء والفئات المهمشة، فحري بنا الانتباه مرة أخرى إلى أن تجربتنا في الكتابة التاريخية بمفهومها العصري مازالت في طور البحث عن تراكم يسمح بقراءة منصفة لتجربة الذات في هذا الباب. بيد أن الأهم في قراءتنا النقدية لهذه التجربة يهم تجاوز الجانب الكمي في عدد العناوين والإصدارات الخاصة بكل موضوع إلى تحليل مستويات العِلمية في المعالجة، بالنهل من الاجتهادات النظرية والمنهجية المنجزة كونيا في مختلف المسارات والأوراش البحثية. فالأمور لا تُقاس بكمية الإنتاج بل بجودته وجِدته أقصد رصانته وعلميته. كما أن هذا النوع من المواضيع لا ينبغي طرق بابه بوازع نضالي أو رهان محكوم بمقاربة النوع أو الانتماء الطبقي، بل بهاجس أكاديمي وعُدة نظرية ومنهجية تُسعف في إنتاج معرفة تاريخية رصينة.

في موضوع تاريخ النساء أنجزت لطيفة البوحسيني أطروحة جامعية منذ نهاية القرن الماضي، سعت فيها إلى البحث عن المكانة المخصصة للنساء في الكتابات الاستوغرافية المغربية ذات الصلة بالعصر الوسيط. وبعدها اتجهت إنتاجات أخرى إلى تناول موضوع المرأة في تاريخ المغرب بمداخل مختلفة. وعُقدت ندوات وأيام دراسية وخُصصت أعداد من مجلات للموضوع نفسه. اليوم هناك مسعى للانفتاح أكثر على التجارب الدولية في موضوع كتابة تاريخ النساء، في أفق الاستلهام والاستفادة، لتخصيب تجربتنا البحثية بما ابتكرته هذه التجارب من اجتهادات نظرية ومنهجية. فالباحثة سمية بوزيار مثلا التي تنجز أطروحة دكتوراه في الموضوع، اتجهت في معالجتها لـ”تاريخ النساء في مرآة المنعطف المشاعري” إلى دراسة نماذج كل من ميشال بيرو، التي اشتغلت على تاريخ النساء والحياة الخاصة والطبقات الشعبية في فرنسا؛ وستيفاني لاط عبد الله، التي تناولت تاريخ النساء في سياق اللجوء والاعتقال والآلام الجماعية في فلسطين والشرق الأوسط؛ وجوسلين الداخلية، التي ركزت على الذاكرة الجماعية، واللغات، والعاطفة السياسية في حوض البحر الأبيض المتوسط.

وما قلته عن تاريخ النساء ينطبق على تاريخ المهمشين؛ هناك تأسيس لتراكم مثمر، وهناك محاولات للتجديد، ولو من قلب تراجع عام في مستوى التكوين. يأتي بعد ذلك وقت تمييز الجيد والعلمي، الذي ينفع الناس، عن الأقل جودة وعلمية. وربما احتجنا أيضا إلى مسألتين أحسبهما في غاية الأهمية: العمل المؤسساتي وعدم الاقتصار على المجهودات والإشراقات الفردية، والإبداع في نمط الكتابة وأسلوب التواصل لتعميم المعرفة التاريخية على الجمهور الواسع من المهتمين.

3. -المناهج الجديدة في كتابة التاريخ
كود” : هل من الممكن أن تتدخل العلوم الحديثة مثل الأركيولوجيا أو التحليل الجيني (ADN) بشكل مؤثر في كتابة التاريخ المغربي؟ وكيف يمكن أن تُسهم في تغيير فهمنا لبعض الأحداث؟
المؤرخ الطيب بياض: لا يمكن للبحث التاريخي أن يتطور دون الاستفادة مما راكمته باقي فروع المعرفة الإنسانية، لأن التقوقع على الذات ينتج سردا للأحداث في شكل مادة فقيرة مفتقدة للقدرة على التحليل والتفسير والتأويل.
في العلاقة مع موضوع الأركيولوجيا، اختار عبد الله العروي، في سجاله مع من تصدوا لكتابة تاريخ المغرب بمهماز استعماري، والذي وظفوا نتائج الأبحاث الأثرية لخدمة إيديولوجيتهم الاستعمارية، أن يقدم “نظرة مغربية على تاريخ المغرب، حتى ولو لم ]ي[آت بأي كشف جديد، مقتصرا على تقديم تأويلات جديدة للأحداث والوقائع”. حتى لا تتصور الكتابات الاستعمارية “أن تاريخ المغرب يسير على خط واحد تحت تأثير جبرية مادية قاهرة. فيمحون من الأذهان تصورا آخر يبرره الواقع ويفتح آفاقا خصبة لتحقيق وقائع التاريخ وتأويلها، ألا وهو تصور تطور متناقض، لا يمنع فيه تأخر في مستوى معين حصول تقدم في مستوى آخر، بل يتسبب التأخر في تقدم لاحق”.

يُسعف التراكم الحاصل اليوم في مجال الأبحاث الأثرية منذ تأسيس المعهد الوطني لعلوم الأثار والتراث سنة 1985، بما يقدمه من نتائج علمية لحفريات أركيولوجية همت جهات مختلفة من المغرب، في مراجعة الكثير من الصور النمطية عن فترة ما قبل التاريخ بالمغرب وتاريخه القديم، والتي نأت عن الموضوعية وارتهنت لحسابات إيديولوجية. غير أنه ينبغي الحذر من التهافت في التعاطي مع توظيف النتائج العلمية للأبحاث الأثرية، حتى لا تتحول إلى آلية للتوظيف الإيديولوجي بخلفية هوياتية ضيقة. بل تتطلب المعالجة العلمية الرصينة ضرورة قراءتها في تقاطعها وتكاملها مع حقلين معرفيين آخرين، أقصد الأنثربولوجيا والجغرافيا لطرد فيروس العِرق من مختبرها.

4. -مناطق الحساسية في البحث التاريخي
كود” : هل يمتلك المنهج العلمي في التاريخ الجرأة لمراجعة كل شيء؟ أم أن ثمة مواضيع تبقى “محرّمة” أو يصعب الاقتراب منها؟
المؤرخ الطيب بياض: سأتفاعل مع سؤالك من باب توضيح ما قصدته بالإشارة إلى ضرورة تأطير الأبحاث الأركيولوجية ونتائج التحليلات المخبرية المرافقة لها بفهم منفتح على الأنثروبولوجيا والجغرافيا لتحصين العِلم من خُرافة العرق.

يعتبر موضوع الهوية اليوم من أكثر المواضيع حساسية واشتعالا، والملاحظ أن أغلب المؤرخين المحترفين يتهيبون الخوض فيه. لذلك فسؤال الجرأة سؤال مشروع، لكن ربما الأهم من الجرأة في مقاربة ما قد يُصنف في دائرة المواضيع الحساسة هو ما تفضلت بالإشارة إليه في بداية سؤالك أي المنهج العلمي. والذي للأسف يتعرض اليوم لعملية سحل وسلخ بشعة من جراء ادعاءات زائفة بتبنيه من هُواة يستثمرون في ما يدغدغ عواطف الناس، وينفثون سمومهم العِرقية باسم التاريخ والمنهج العلمي في التاريخ.

لتوضيح أهمية المنهج العلمي وجرأته في تقديم قراءة هادئة وهادفة لما قد يبدو حساسا أو محرما، لنأخذ مثال موضوع الهوية في إطار معالجة تاريخية منفتحة على الأركيولوجيا والأنثروبولوجيا والجغرافيا. لدينا اليوم اكتشاف جبل إيغود، وبعده الاكتشاف الأثري بالدار البيضاء، وغيرهما كثير في جهات مختلفة من البلاد. مما جعل المغرب مختبرا بحثيا ترنو إليه العيون دوليا في مجال أصل البشرية وتطورها.

هذه مسألة تدعو إلى الافتخار وهذه اكتشافات عظيمة بكل تأكيد، تبرز نتائج علمية لمجهودات بحثية تستحق الاهتمام، لكن ما يهمنا فيها أكثر ليس السبق في الوجود، ولا تسجيل رقم قياسي جديد من حيث الانغراس البيولوجي الموغل في القِدم لمئات الآلاف من السنين. ولن يضرنا في شيء أن يتم اكتشاف نوع من الإنسان العاقل في مكان آخر من كوكب الأرض أقدم من إنسان جبل إيغود، لأن الأهم بالنسبة لنا ثقافي وليس بيولوجي. بمعنى مقاربة أنثروبولوجية ترصد تراكم تطور رمزي وثقافي لإنسان حركي فاعل في المجال ومتفاعل مع المحيط وليس الاحتفاء بسلالة بشرية حققت السبق وظلت جامدة. لأن “ذلك الإنسان الذي صانت بقاياه تربة جبل إيغود، كان البذرة الأولى لهذا الكائن القاطن بشمال غرب إفريقيا، ثم حصلت تحولات بطيئة في زمن شبه راكد حولته إلى فاعل أكثر في المجال، وتحول خلال العصر القديم إلى ذات ليست فقط فاعلة، بل ومتفاعلة أيضا مع حضارات طارئة »كستها ثيابا متنوعة« منحتها أولى خصائص التميز عن الجوار. فبالقدر الذي كانت تركيبة دماغه تتحول تدريجيا عبر آلاف السنين لتستقر على ما هي عليه اليوم، كان بناؤه الذهني والنفسي يتشكل في تفاعل مثمر مع المحلي والطارئ معا لنحت معالم شخصية إنسان مغرب اليوم”.

المدخل الأنثروبولوجي هنا يتكامل مع المعطى الأركيولوجي، ويعطيه قيمة أكثر لأنه يخرجه من الجمود إلى الحياة والتطور والتبلور التدريجي عبر تمرحل تاريخي. لكن أين يحصل ذلك؟ في المجال الجغرافي طبعا. هنا تصير الجغرافيا صانعة التاريخ أو لنقل ترسم المعطيات الأنثروبولوجية بين ثنايا الجغرافيا ملامح هوية محددة تتشكل عبر التاريخ.

عالج عالم الآثار المغربي عبد الواحد بن نصر في آخر أبحاثه العلمية الفترة الممتدة من أولى إرهاصات وجود حياة بشرية بهذا الحيز الجغرافي الكائن بأقصى الشمال الغربي لأفريقيا إلى غاية ظهور الإنسان العاقل، وكذا تطور هذا الإنسان بالمغرب، وقد استثمر فيه السجل الأركيولوجي والأنثروبولوجي لمغرب ما قبل التاريخ لفهم تطور أشباه البشر عموما وتطور الإنسان العاقل على وجه الخصوص. وخَلُصَ الباحث نفسه، في مقاله العلمي، إلى وجود أدلة تشير إلى أصل إفريقي شامل أقدم وأكثر تعقيدا لنوع الإنسان المكتشف بجبل إيغود. كما استحضر مسألة على قدر كبير من الأهمية، في باب الجغرافيا صانعة التاريخ، تتعلق بالموقع الجغرافي الاستراتيجي للمغرب، كمفترق طرق بين أوروبا وإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وبلاد المشرق، الذي يُسهم، إلى جانب إمكانياته الاستثنائية في علم الإنسان القديم، في جعله مختبرا مثاليا لفهم ديناميكيات السكان خلال عصور ما قبل التاريخ، وأنماط الهجرة، وتدفق الجينات، وعمليات التكيف. فيما تفيدنا مجموعة من المقالات حديثة النشر بوجود تركيبة بشرية مكونة من جهة من عنصر محلي ضارب في القِدم (الإيبروموريزي) والمستقر منذ أكثر من خمسة عشر ألف سنة، ومن جهةٍ أخرى من موجات نيوليثية (العصر الحجري الحديث) متعاقبة قادمة من شبه الجزيرة الإيبيرية وبلاد الشام، غير أنها كانت دائما تُمتص داخل بنية محلية غالبة.

المنهج العلمي في مثل هذه الحالة يوفر الخيط الهادي للفهم، يطرد خرافة العرق النقي من بلاد تنعم بما أسماه جمال حمدان بعبقرية المكان، التي أنتجت بنية محلية أشبه ما تكون بالصخرة الرسوبية المتعاقبة والمتداخلة الطبقات على مر العصور. تَستَوعِب الوافد البشري والحضاري أيّا كانت منطلقاته، ولا تُستوعب من طرفه. تُكيفه ولا تتكيف مع جوهره، تُروِضه ولا تُروَض على مقاسه. لاعتبارين اثنين: أولهما وجود هذه البنية بزخمها وتراكماتها الممتدة في الزمن الطويل، أما ثانيهما فمهما كان من قوة أو تأثير هذا الوافد فهو قاصدٌ بلدا قصيا هناك في الغرب على مشارف بحر الظلمات حيث تضعف قوة التأثير، كما يخبرنا بذلك المؤرخ الفرنسي الفذ فرناند بروديل في تعريفه للبحر الأبيض المتوسط التاريخي، وكما أبدع المؤرخ الأمريكي المجدد فريديريك جاكسون تورنير في تفسير هذا المعطى انطلاقا من نظرية الحدود.

أو إن شئنا تبيئة هذه المفاهيم والنظريات في تربتنا المغربية يكفي أن نقرأ ما كتبه محمد شفيق في معرض جوابه عن سؤال “هل للأمازيغيين خصوصيات بصفتهم ‘بربرا’ ليس غير؟”، إذ أجاب: “والواقع الملموس، الذي يلمسه كل من أتيح له أن يدرس تواريخ الأمم مقارنة من زوايا مختلفة هو أن طبيعة أفريقية الشمالية الجغرافية هي التي كيفت في العمق المجتمع الأمازيغي”.

مما يعني أن عبقرية المكان هي التي خلقت من المغرب بوتقة انصهار لمختلف مكوناته، منذ ما قبل التاريخ إلى اليوم، أو بتعبير إبراهيم بوطالب، الذي استحضر سطيفان اكسيل، في دحضه للاختزال الأحادي لشخصية المغربي: “ثم إنه عقد فصلا عن أنثروبولوجيا الإنسان المغربي بناء على ما بلغنا من الوثائق القديمة مفاده أن المغرب يسكنه منذ الأزل في الجنوب عناصر زنجية وفي الشمال عناصر من ذوي الشقرة وانفتاح لون العينين، وفيما بين هؤلاء وأولائك عناصر هي إلى السمرة وسبوطة الشعر أميل، على ما يمكن أن يتخيل من درجات التفاوت في هذا التمييز بحسب الانصهار بين تلك العناصر. مما نستخلص منه أن لا وجود لعنصر مغربي موحد وأن المغربي فيه من التباين والاختلاف ما نراه في الأمم الكبرى كالصين والهند وألمانيا والولايات المتحدة، فلا وجود للعِرق الخالص إلا في بعض الأدمغة المهزوزة. ولما كان في الألف الأولى قبل الميلاد يوجد في المغرب أمازيغ وبونيقيون شرقيون وسودان قطعوا الصحراء وأجناس الضفة الشمالية من البحر الأبيض المتوسط فكذلك نجد سكان المغرب في الألف الأولى بعد الميلاد فيهم الأمازيغ والعرب وفيهم اليهود وفيهم الأندلسيون يشهد بذلك مؤرخونا ومن طرأ على البلاد من رحالة أوروبا الغربية”.

5. – زعزعة المسلمات التاريخي
كود” : هل إعادة قراءة بعض الأحداث في التاريخ بمنهجيات جديدة يمكن أن تزعزع بعض المسلّمات والأفكار التي تعوّد عليها المجتمع المغربي حول ماضيه؟
المؤرخ الطيب بياض: ذلك ما وضحت جانبا منه في معرض جوابي عن السؤال السابق، وما يكمن توضيحه أكثر من خلال الانتباه إلى تقابل مهم مستبطن في سؤالك يحتاج إلى تدقيق من أجل فهم أوضح، إنه تقابل التاريخ بأدواته العلمية ومناهجه الجديدة مع الذاكرة الجماعية التي تشكل الوعاء الحاضن لذلك الذي أسميته في سؤالك ببعض المسلمات والأفكار التي تعوَّد عليها المجتمع المغربي في ماضيه. وبالمناسبة أغلب ما يروج، للأسف، في وسائل التواصل الاجتماعي، من طرف من يتحدثون زورا باسم التاريخ سواء من المنتمين إلى حقل التاريخ أو من المتطفلين عليه يدخل في خانة الذاكرة التاريخية ولا علاقة له بالتاريخ كمعرفة عالمة منضبطة لقواعد ابستمولوجيا المعرفة التاريخية.

هذا الخلط في الفهم ناتج عن خلط أصلي عند كثير من الناس بين الذاكرة والتاريخ. لقد سبق لي أن وضحت هذا الأمر في مقدمة الجزء الثاني من كتاب بوح الذاكرة وإشهاد والوثيقة، ونبهت إلى أن الذاكرة تعتبر الصديقة اللدود للتاريخ. لذلك من المفيد في هذا الباب الانتباه إلى أن للذاكرة ثقوبها وعيوبها، ليس أقلها النسيان والتماهي مع الخيال والانتقائية وتضخم الأنا، إذ يميز فيها بول ريكور بين الذاكرة الاصطناعية والطبيعية، وداخل هذه الأخيرة يتحدث عن المعوقة منها والمُتلاعب بها والمأمورة بشكل سيء.

ليس في هذا الأمر تنقيص من دور الذاكرة في كتابة التاريخ ، أو تلميح إلى التهيب منها، بل فقط دعوة للانتباه إلى ثغراتها قصد تداركها في أفق استثمارها بشكل أفضل في حقل التاريخ. إذ تبقى الذاكرة الجماعية عبارة عن وعاء لمشترك جمعي تراكم مع الزمن في شكل مادة خام تحتاج إلى فرز وفحص ونقد وتدقيق وتمحيص، وتبقى كتابة التاريخ شيئا آخر، مختلفا تماما، رغم ما يبدو بينهما من تشابه، لذلك فالمنهج العلمي في حقل التاريخ ينجح فعلا في زعزعة اليقينيات والمسلمات التي درج الناس على تداولها وتصديقها، لأنه داخل مختبر المؤرخ المحترف تتحلل الكثير من الأساطير والخرافات والأوهام، ولعل أخطرها على مجتمعنا، في زمن التيه الهوياتي، يتجلى في خرافة العِرق وآفة الانتقائية، والبحث عن النشاز والشاذ من الأحداث التاريخية وانتزاعها من سياقاتها الشارحة عمدا من أجل الإثارة، لرفع نسب المشاهدة والإعجاب ومعها العائدات المادية والرمزية، وجلب الانتباه لشحن جمهور افتراضي مفتقد لمناعة النقد.

6.-التاريخ والمصالحة مع الماضي
كود” : هل إعادة قراءة بعض المحطات في التاريخ المغربي بجرأة أكاديمية يمكن أن تساعد المجتمع على المصالحة أكثر مع ماضيه؟
المؤرخ الطيب بياض: أعتقد أن المؤرخ المغربي المحترف مطالب اليوم بتحمل مسؤوليته، وأقصد بذلك المسؤولية المزدوجة الأخلاقية والعلمية أو المدنية والأكاديمية باعتباره حكيم البلدة بلغة فرانسوا بيداريدا. وألا يعتبر نفسه غير معني بما يعيشه مجتمعه وما يحبل به عصره من تفاعلات تنذر بأوخم العواقب، فهو ليس حفار قبور يُعنى بالموتى فقط، بل هو معني بسؤال الحاضر أولا، وموضوع تخصصه ليس هو الماضي كما هو شائع، بل الإنسان في الزمن. ألم يقل المؤرخ الفرنسي إيمانويل لوروا لادوري: “التاريخ يُكتب من الحاضر وبضمير خاص”؟

عليه أن يستحضر الدرس البليغ في تجربة المؤرخ الفذ مارك بلوك وتوجيهه المنهجي المبدع في في كتابه، المرافعة دفاعا عن التاريخ، (Apologie pour l’Histoire ou métier d’Historien). لقد قال مارك بلوك كلمته ورحل، إثر إعدامه من طرف قوات الجيستابو. كلمة من وحي التقاطع بين الوعي بمسؤولية المؤرخ وموضوع التاريخ. أعاد فيها توجيه البوصلة، وهو يجيب عن سؤال طالما تجاهله المؤرخ، وَرَدَ على لسان طفل صغير يستفسر عن جدوى التاريخ، كما يلي:”نقول أحيانا التاريخ علم الماضي، يا له من كلام سيء، وإنه لأمر سخيف أن يكون الماضي في حد ذاته موضوعا للعلم”، ثم يضيف: ” في الواقع تعلمنا منذ زمن طويل، من خلال شيوخنا العظماء من أمثال ميشلي وفوستيل دوكلانج أن ندرك أن موضوع التاريخ بطبيعته هو الإنسان”، أو لمزيد من الدقة “يجب إضافة الإنسان في الزمن”، أو بالأحرى الناس في الزمن؛ فيصير التاريخ بذلك علما للإنسان في الزمن المستمر والممتد لكن أيضا المتغير؛ أي علم التغيرات والتبدلات في أحوال الناس وطباعهم وذهنياتهم بل وحتى أجسادهم.

المؤرخ المغربي مطالب اليوم بإدراك ما أسماه لوسيان فيفر بـ”الوظيفة الاجتماعية للتاريخ”، لأنه يعيش في زمن ما نعته هيرفي كوطو بيغاري بـ “عصر رواج التاريخ”، الذي ترافق مع دفاع الفيلسوف الألماني يورغان هابرماس عن “الاستعمالات العامة للتاريخ”. فإذا كان الأول يرى أن هذه الوظيفة تمر عبر تنظيم الماضي وفقا للحاضر، فإن الثاني يعرض تجارب لمؤرخي “الشأن العام” الذين أطلوا على الجمهور الواسع الشغوف بالتاريخ من نوافذ منابر إعلامية مختلفة في مسعى لتعميم المعرفة التاريخية، بينما الثالث فتح الباب لغير ذوي الاختصاص أو الكفاءة المهنية للخوض في مواضيع حساسة تلتبس فيها الحدود بين الذاكرة والتاريخ. لذلك فقراءة “الوظيفة الاجتماعية للتاريخ” خارج سياق التنظير لها من طرف لوسيان فيفر، وهو يتفاعل مع كتاب صديقه ورفيق دربه مارك بلوك، (دفاعا عن التاريخ أو صنعة المؤرخ)، الذي ضَمَّنَه وصيته الأخيرة للمؤرخين، ووضع فيه القواعد العلمية لحقل التاريخ، دون أن يفوته التمييز بين المؤرخ المحترف والمؤرخ الهاوي، هي التي فسحت المجال لاعتبار التاريخ حائطا قصيرا يسهل اقتحامه لانتقاء ما يفيد منه في صياغة سرديات على المقاس باسم “الاستعمالات العامة للتاريخ”.

لذلك فالمصالحة تمر عبر العِلمية، فالتاريخ ليس خيالا ولا أدبا، بل هو فن وعلم عزيز المذهب، جَمُّ الفوائد، شريف الغاية، بلغة العلامة عبد الرحمان بن خلدون. وعِلميته هي التي تمنحه المصداقية، وهي الكفيلة وحدها باستعادة الثقة وإضفائها على ما يُقدم من مادة تاريخية. ثم لابد من مجهود بيداغوجي مبدع وآليات تواصلية فعالة. لابد من معالجة عاهات الكتاب المدرسي المخصص للتاريخ، وضحالة البرامج الإعلامية التي تعيش ما يشبه الانفصام والانفصال عن بلد يعيش تخمة حضارية وفائضا في التاريخ. تلك مسؤولية مزدوجة بين المؤرخ المحترف والدولة بكل مؤسساتها التعليمية والإعلامية والثقافية.

.7- المؤرخ ووظيفته
كود” : لماذا نعيش اليوم استسهالا في التطرق لمواضيع حساسة من قبل أشخاص يقدمون أنفسهم بصفتهم مؤرخين؟ وما خطورة ذلك؟
المؤرخ الطيب بياض: سبق لعبد الله العروي أن كتب: “إن المؤرخين الأجانب الذين كتبوا حول تاريخ المغرب، في عهد الاستعمار، يرددون نغمة سوء حظ المغرب. يقولون إنه من سوء حظه أنه لم يدرك أن الغزو الروماني ذو طابع حضاري وأنه اعتنق الإسلام وأنه سقط ضحية لهجمة بني هلال وأنه كان قاعدة القرصنة العثمانية، إلخ… بيد أن سوء حظه الحقيقي هو أن تاريخه كتبه لمدة طويلة هواة بلا تأهيل”.
يبدو أن سوء الحظ هذا ظل ملازما ومتجددا وربما زاد استفحالا، لأن المؤرخين الهواة المحليين اليوم الذين تطاولوا على حقل التاريخ في المغرب ربما أشد خطورة من كتابات المؤرخين الأجانب الهواة. لأن الزمن اليوم زمن مُعَولم وملغوم، ومعنى الأمم أضحى معنى هويات. والهويات التي تطل برأسها اليوم متشنجة، في الغالب الأعم، حاملة لأكثر من وهمٍ وزعمٍ، تركب حصان “الاستعمالات العامة للتاريخ”، وتنفخ فيها رياح وسائل التواصل الحديثة أرواحا لا مرئية، تنذر بالنسف والعصف.

لذلك نحن في أمس الحاجة اليوم إلى أن يتولى المؤرخ المحترف تأطير الوظيفة الاجتماعية لتخصصه ضمن أُطرها العلمية البحثة، لتحصينها من توظيف أصحاب الخطابات الشعبوية واستغلال “زعماء قبائل” الهويات القاتلة. أو بلغة فرانسوا بيداريدا “نتساءل اليوم كثيرا عن دور المؤرخ في عالم يشهد تحولات سريعة. فهناك من يطلب من الماضي أن يمده بتفسير أو تبرير للحاضر، وهناك من يبحث فيه عن الجذور التي تُكَوِّن الهوية، أو عن مفاتيح للمستقبل. تبدو الوظيفة الاجتماعية للمؤرخ، كما كان يتصورها لوسيان فيفر-أي تنظيم الماضي وفقا للحاضر-مطروحة بإلحاح أكثر من أي وقت مضى. ومن هنا تتعاظم مسؤوليته تجاه المجتمع، لأن المعرفة التي ينتجها المؤرخ تُعتمد وتُختم بختم» العلمية«. وأمام انتظارات المجتمع واهتمام الجمهور، يجد المؤرخ نفسه مطالبا بفك خيوط الوقائع المتشابكة، وتقديم خيط هادي وموجه للفهم، جامعا بين وظيفته النقدية ووظيفته المدنية والأخلاقية”.
إن مثل هذه المعالجة الرصينة للمؤرخ المحترف التي تُراجع قصور وهفوات الهواة من المؤرخين، أو انزياحات من يكتبون التاريخ من غير أهل الاختصاص وفق الأهواء والسياقات، هو ما يبرر ذلك المجهود الجبار الذي بذله فرناند بروديل، وهو في خريف العمر، من أجل تأليف كتاب عنونه بـ”هوية فرنسا”، والذي تساءل في مقدمته: “هل كان من المعقول بالنسبة لي أن أضيف كتابا آخر إلى السلسلة التي لا نهاية لها من كتب تاريخ فرنسا؟”
وانتفاء مثل هذه المعالجة، وهذا الاختيار في تحمل المسؤولية لاستثمار سنوات بل عقود من الخبرة العلمية والأكاديمية للتفاعل مع قضايا المجتمع والعصر، هو الذي جعل الساحة لدينا شبه فارغة تجرأ على اقتحامها من أسماهم الصحافي المثقف عبد الله ترابي، في الندوة التي احتضنتها الأسبوع الماضي كلية الآداب عين الشق بالدار البيضاء لتقديم كتاب “كيف يُفهم التاريخ”، بالأفاقين والدجالين.

توقف مارك بلوك، في كتابه المرافعة دفاعا عن التاريخ، عند من أسماهم بالمؤرخين الهواة أو المؤرخين الذين يؤرخون لأنفسهم، يمكن تكثيف نموذجهم في سيلفستر بونار الشغوف بالتاريخ والباحث في المخطوطات والمصادر القديمة، والذي اختاره أناتول فرانس ليكون بطلا لروايته “جريمة سليفستر بونار، عضو المعهد” الصادرة سنة 1881. والذين يُعيب عليهم بلوك افتقداهم لمَلَكَة الاجتهاد وقوة الإرادة لوضع الأسس العلمية لتخصصهم.
اليوم لم يعد الأمر مقتصرا على نماذج من سيلفستر بونار، الشغوف بالتاريخ والباحث في المخطوطات والمصادر القديمة بشكل هاوٍ ودون عدة نظرية ومنهجية، لكن انضافت إلى مشكل الهواية وغياب الصنعة جملة عناصر مركبة وخطيرة. فهناك من جهة المتطاولون على التاريخ من خارج التخصص الذين تنطبق عليهم مقولة “اكذب ثم اكذب حتى تصير كذبتك حقيقة يصدقها الناس”، وأكبر كذبة هي أنهم صاروا يُفتون في التاريخ حتى اعتقد الناس أنهم فعلا مؤرخون وليس مجرد منتحلي صفة، ليس لهم أي تكوين أكاديمي في مجال التاريخ ولا أي احتكاك بمدراسه ومناهجه ولا أي إلمام بأدواته العلمية. ثم هناك الذين تلقوا تكوينا في مجال التاريخ، في زمن تراجع التكوين في مختلف التخصصات بالجامعة ومن بينها تخصص التاريخ، فأضحت الشواهد، عموما، لا تعكس جودة في التكوين، مع محدودية أثر ابستمولوجيا المعرفة التاريخية في التكوينات داخل شُعب التاريخ، وهيمنة تاريخ يقوم على السرد والحفظ واجترار نفس الدروس والمحاضرات لسنوات طويلة دون تجديد، وأطروحات جامعية تنعدم فيها، في الغالب الأعم، الإشكاليات والأطروحات الفكرية والمقارنات والنقد والتحليل والتفسير والتأويل والتركيب. لذلك أنتهي في كثير من المناسبات التي أترأس فيها لجانا لمناقشة أطروحات الدكتوراه إلى القول “إن الحصول على شهادة الدكتوراه يشبه الحصول على رخصة السياقة، وما كل حاصل على رخصة سياقة بسائق جيد”.

الطامة الكبرى اليوم، في زمن الهوس الهوياتي، أن المنتمين لهاتين الفئتين لا يعملون على تطوير ذواتهم، ولا يقضون الساعات الطوال في المكتبات، مثل سيلفستر بونار، بل هم قاطنون في وسائل التواصل الاجتماعي، يُقدمون تاريخا مشوها تحضر فيه الانتقائية، والنزعات العِرقية، ويروجون خطابا إيديولوجيا لا علاقة له بالعلمية ولا بالقيم الإنسانية النبيلة والراقية.

كود المصدر: كود
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا