أكد رئيس وحدة تكوين قضاة الحكم بالمعهد العالي للقضاء، عبد الرحيم طهيري، أن القانون الجديد للمسطرة المدنية يكرّس السرعة والنجاعة في البت في القضايا الاستعجالية، من خلال إعادة تنظيم دقيقة للمقتضيات الإجرائية المرتبطة بهذا النوع من القضايا، بما يضمن تسريع وتيرة الفصل في النزاعات دون المساس بضمانات التقاضي.
وأوضح طهيري، في ندوة نظمتها الجامعة الدولية للرباط، صباح اليوم الجمعة، حول مستجدات قانون المسطرة المدنية، أن هذا الإصلاح التشريعي يُحدث نقلة نوعية في تنظيم القضاء الاستعجالي، سواء على مستوى توحيد الاختصاصات أو ضبط الآجال أو تعزيز وضوح المساطر، في اتجاه تعزيز فعالية العدالة المدنية وتحديث أدواتها الإجرائية.
وشدد طهيري على أن قانون المسطرة المدنية الجديد رقم 58.25 يُعد من القوانين المسطرية الهامة التي عززت منظومة الحقوق بالمملكة، باعتباره إطاراً تشريعياً مندمجاً انضاف إلى مختلف الضمانات الدستورية والقضائية ذات الصلة، مبرزاً أن هذا القانون جاء ليؤسس لمرحلة جديدة في تنظيم الإجراءات المدنية بما يضمن مزيداً من النجاعة والوضوح في مسار التقاضي.
وأوضح طهيري، أن هذا النص التشريعي، وبمقتضى المادة 644 منه، عمل على نسخ مقتضيات قانون المسطرة المدنية القديم لسنة 1974، إلى جانب التعديلات التي لحقت به، فضلاً عن القانون المحدث للمحاكم الإدارية والقانون المحدث للمحاكم التجارية ومحاكم الاستئناف الإدارية وغيرها من المقتضيات التي تم نسخها وفق ما هو منصوص عليه في المادة نفسها، مشيراً إلى أن هذا الاختيار التشريعي يعكس توجهاً نحو توحيد المرجعيات المسطرية وتبسيط القواعد الإجرائية.
وأضاف المتحدث أن قانون المسطرة المدنية الجديد جاء بمجموعة من المستجدات التي همّت مسار الدعوى المدنية برمته، سواء ما يتعلق بالاختصاص أو بإيداع المقالات وإجراءات تحقيق الدعوى، فضلاً عن المستجدات التي شملت الطعون وتنفيذ الأحكام القضائية، مؤكداً أن هذه التعديلات مست قضاء الموضوع والقضاء الاستعجالي على حد سواء.
وفي ما يتعلق بالأوامر المبنية على طلب، أوضح أن المادة 225 من قانون المسطرة المدنية الجديد حلت محل الفصل 148 من القانون السابق، مع الإبقاء على سريانه إلى حين دخول النص الجديد حيز التنفيذ، مبرزاً أن أهم تعديل في هذا الإطار همّ توحيد الجهة المختصة بالبت في هذه الأوامر والمعاينات، حيث أسند المشرع الاختصاص إلى محاكم الدرجة الأولى ورؤساء الأقسام بالمحاكم الابتدائية ذات الأقسام.
وأضاف أن المشرع وسّع نطاق موضوع الأوامر المبنية على طلب، بإضافة إجراءات المعاينة والاستجواب إلى جانب إثبات الحالة وتوجيه الإنذار، مع ترك باقي الطلبات مفتوحة شريطة توفر ثلاثة شروط أساسية تتمثل في عنصر الاستعجال، وعدم وجود نص خاص ينظم المسألة، وألا يترتب عن الإجراء ضرر بالغير.
مستجدات آجال البث في المسطرة المدنية
كما أبرز أن المشرع جاء بمستجد مهم يتعلق بآجال البت، حيث ألزم رئيس المحكمة أو رئيس القسم المختص بالبت فوراً أو في اليوم الموالي على الأكثر، مع إمكانية منح أجل لا يتجاوز 8 أيام لاستكمال الوثائق أو البيانات اللازمة للبت في الطلب.
وأكد أن مسطرة البت في الأوامر المبنية على طلب حافظت على طابعها غير التواجهي، إذ تتم في غيبة الأطراف وبدون حضور كاتب الضبط، في استمرار للطابع الاستعجالي المبسط لهذا النوع من الإجراءات.
وبخصوص الطعن في الأوامر المبنية على طلب، أوضح طهيري أن جميع الأوامر التي لا تستجيب للطلب تكون قابلة للطعن، باستثناء تلك المتعلقة بإثبات الحالة أو توجيه الإنذار أو الأمر بإجراء معاينة، حيث لا يقبل فيها الطعن عند الرفض.
وأشار إلى أن المشرع حدد آجالاً جديدة للطعن، حيث تم تحديد أجل 3 أيام لكتابة الضبط لإحالة الاستئناف إلى محكمة الاستئناف من تاريخ إيداع المقال، مع اعتبار هذه الآجال تنظيمية واسترشادية، إلى جانب تحديد أجل الطعن في 7 أيام يبدأ من تاريخ النطق بالحكم وليس من تاريخ التبليغ، في تحول تشريعي مقارنة مع الأجل السابق الذي كان محدداً في 15 يوماً.
وأضاف أن الاختصاص في البت في الطعون المتعلقة بهذه الأوامر أسند إلى الرئيس الأول أو رؤساء الأقسام بمحاكم الاستئناف ذات الأقسام، بعدما كان الأمر يتم في إطار تشكيل جماعي بمحكمة الاستئناف، ليصبح البت حالياً بصفة فردية من طرف الرئيس الأول، مع التنصيص على عدم قابلية قراراته لأي طعن.
وفي ما يخص التنفيذ، أوضح أن المشرع حدد أجل 30 يوماً للأوامر المتعلقة بالأداء، تحت طائلة سقوط الحق في التنفيذ، مع إمكانية إعادة اللجوء إلى رئيس المحكمة لاستصدار أمر جديد، مبرزاً وجود إشكال مرتبط بتحديد ما إذا كانت العبرة بتمام التنفيذ داخل الأجل أو بمجرد مباشرة إجراءات التنفيذ، وهو ما سيحسمه التطبيق العملي.
مستجدات القضاء الاستعجالي في المسطرة المدنية
وانتقل طهيري إلى القضاء الاستعجالي، موضحاً أن المشرع نظمه ضمن المواد من 226 إلى 232، حيث أسند الاختصاص إلى رئيس محكمة الدرجة الأولى أو رؤساء الأقسام بالمحاكم الابتدائية ذات الأقسام، شريطة عدم عرض النزاع على محكمة الاستئناف، إذ ينتقل الاختصاص حينها إلى الرئيس الأول.
وأكد أن القضاء الاستعجالي يقوم على شروط أساسية تتمثل في توفر عنصر الاستعجال، وعدم المساس بما يمكن أن يُقضى به في الجوهر، وأن يتعلق الأمر بإجراءات وقتية، مع الإبقاء على مؤسسة الحراسة القضائية كإجراء قائم.
كما أشار إلى أن المشرع عمم بعض الاختصاصات المستمدة من المحاكم التجارية، خاصة ما يتعلق باتخاذ التدابير التحفظية أو إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه لدرء خطر حال أو وضع حد لاضطراب غير مشروع، لتصبح من اختصاص رؤساء المحاكم الابتدائية أيضاً.
وأوضح أن المشرع ربط في بعض الحالات الإجراء الاستعجالي بضرورة رفع دعوى في الموضوع داخل أجل يحدده القاضي، تحت طائلة اعتبار الأمر كأن لم يكن، مضيفاً أن المسطرة الاستعجالية تظل مسطرة تواجهية تستلزم استدعاء الأطراف، مع إمكانية البت دون استدعاء في حالات الاستعجال القصوى شريطة التعليل.
كما تطرق طهيري إلى مسألة النفاذ المعجل، موضحاً أن المشرع أسند الاختصاص في البت في طلبات إيقاف تنفيذه إلى الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف ورؤساء الأقسام بمحاكم الاستئناف، مع اعتماد معيار الضرر الجسيم كأساس للبت، حيث يتم إيقاف التنفيذ إذا ثبت احتمال وقوع ضرر جسيم، وفي المقابل يستمر التنفيذ كأصل عام إذا انتفى هذا الشرط.
المصدر:
العمق