شهدت جلسات محاكمة أحد المتهمين في ملف الوزير السابق محمد مبديع مرافعات مطولة ومفصلة، ركز خلالها دفاع المعني بالأمر، وهو صاحب شركة خاصة، على تفنيد ما ورد في تقارير المفتشية العامة لوزارة الداخلية، معتبرا أنها تضمنت “أخطاء جوهرية” أثرت بشكل مباشر على تقييم الوقائع موضوع المتابعة.
وأوضح الدفاع أن أعضاء المفتشية وقعوا في خلط واضح بين الأشغال التي أنجزتها الشركات، سواء من حيث الأثمنة أو الأحياء التي شملتها المشاريع، بل وحتى من حيث طبيعة التدخلات المنجزة.
وأكد أن خبرة استشارية مستقلة أنجزت في الملف أظهرت أن عملية مراقبة الأشغال تمت في وقت لم تكن فيه الأشغال قد انتهت بعد، ما يجعل الاستنتاجات التي خلصت إليها المفتشية “غير دقيقة وغير مكتملة”.
وأضاف أن المفتشية نفسها أرجعت بعض العيوب المسجلة إلى ممارسات الساكنة وتدخلات مرافق أخرى، وهو ما اعتبره الدفاع دليلا على أن مسؤولية الشركة المنجزة ليست قائمة بالشكل الذي تم تصويره.
بل ذهب أبعد من ذلك، حين أكد أن الأشغال التي نفذتها الشركة تفوق في قيمتها المالية مبلغ الصفقة الأصلية، مشيرا إلى إنجاز أعمال إضافية دون استخلاص مستحقاتها المالية.
وفي سياق الرد على الملاحظات التقنية، شدد الدفاع على أن تقرير المفتشية تضمن “أخطاء متعددة” في الجداول المتعلقة بالمواد الأولية والأثمنة، معتبرا أن هذه الهفوات طبيعية بالنظر إلى محدودية الإمكانيات البشرية المتوفرة لدى المفتشية، والتي تجعل من الصعب التدقيق في كافة المشاريع عبر مختلف الجماعات الترابية.
واستعرض الدفاع معطيات رقمية ووثائق رسمية، أبرزها جداول مقارنة تؤكد أن العروض التي تقدمت بها شركة موكله كانت الأقل ثمنا مقارنة بشركات أخرى، وهو ما سبق أن أشار إليه المجلس الأعلى للحسابات خلال مناقشته لاختلالات مرتبطة بجماعة الفقيه بن صالح، دون أن يشكل ذلك موضوع مؤاخذة أو متابعة.
وفي ما يتعلق ببعض الصفقات، خاصة سنتي 2014 و2016، أكد الدفاع أن جميع الأشغال المرتبطة بها قد أنجزت بالكامل، نافيا ما ورد بشأن عدم احترام الأثمان أو عدم نظامية الصفقات. واعتبر أن إدراج أشغال إضافية يفرض، قانونا، تحديد أثمان جديدة، مستشهدا بنصوص قانونية مؤطرة للصفقات العمومية.
وبخصوص الأشغال المرتبطة بتهيئة الفضاءات، ومنها اقتلاع أشجار “الأوكاليبتوس”، أوضح الدفاع أن هذه العمليات كانت ضرورية لإنجاز المشاريع، واستدعت استعمال آليات ثقيلة ويد عاملة إضافية، مشيرا إلى أن العملية تمت بتنسيق مشترك مع مصالح عمومية مختصة، ومدعمة بصور ووثائق تثبت الوضعية الميدانية قبل وبعد التدخل.
أما بخصوص ملاحظة “طلب تقديم عينات”، والتي اعتبرتها المفتشية شرطا تمييزيا، فقد فنّدها الدفاع مؤكدا أن المادة المعنية (الرخام الأحفوري) متوفرة وطنيا ولا يتم استيرادها، وأن جميع الشركات المشاركة قدمت عينات مماثلة، ما ينفي وجود أي إقصاء أو تمييز.
ونفى الدفاع مؤاخذات تتعلق بعدم تضمين المراجع التقنية، مشددا على أن الشركة احترمت مقتضيات المادة 15 من قانون الصفقات العمومية، وقدمت كل الوثائق المطلوبة، بما فيها التأمينات القانونية، مدعمة بتوضيحات رسمية صادرة عن شركة التأمين AXA.
وفي الشق الجنائي، اعتبر الدفاع أن فصول المتابعة لا تنطبق على الوقائع، وأنها بنيت أساسا على تصريحات مهندس وصفها بـ”العارية من الصحة”، مبرزا وجود شواهد مرجعية موقعة من نفس المهندس تثبت تتبعه لأشغال الشركة في مراحل سابقة، مطالبا بإخضاع هذه الوثائق لخبرة تقنية.
وفي ما يتعلق بتهمة الرشوة، أكد الدفاع أن التحويلات المالية موضوع الشبهة مبررة قانونا، وترتبط بشراكات ومشاريع بين الشركة وأطراف أخرى، مدعومة بكشوفات حسابات بنكية مفصلة، ونماذج تحويلات مماثلة معمول بها بشكل عادي في المعاملات التجارية.
وختم الدفاع مرافعته بجملة من الملتمسات، أبرزها التصريح بسقوط الدعوى العمومية في ما يتعلق بالجنح بسبب التقادم، وعدم قبول المتابعة، والحكم بالبراءة لعدم ثبوت أفعال التزوير أو الرشوة أو التبديد والاختلاس.
والتمس، في حال الإدانة، تمتيع المتهم بأقصى ظروف التخفيف، مع إثارة الدفع بعدم الاختصاص.
المصدر:
العمق