عمر المزين – كود///
ينتظر أن تواصل غرفة الجنح التلبسية بالمحكمة الابتدائية بمدينة فاس، الأسبوع المقبل، محاكمة 12 شخصا كانوا ينشطون ضمن شبكة إجرامية متخصصة في النصب والتزوير وإنشاء شركات “مرورية” استخدام وثائق مزورة للتهرب من أداء الضرائب (الضرائب المباشرة أو الرسوم المباشرة)، وهي الشبكة التي توجد على رأسها عبد الإله بعزيز رئيس المجلس الإقليمي لتازة.
وأكد الخبير الاقتصادي عبد الرزاق الهيري أن هذه القضية تسلط الضوء بشكل صارخ على ظاهرة التهرب الضريبي المنظم في المغرب وتداعياتها على العدالة الجبائية والمالية العمومية.
وشدد مدير المختبر المتعدد التخصصات في الاقتصاد والمالية وتدبير المنظمات، في تصريحات لـ”كود”، على أن هذه الظاهرة لم تعد مجرد مخالفات فردية عابرة، بل تحولت إلى منظومات إجرامية متكاملة الأركان تعتمد هندسة مالية معقدة وتنخر في عمق الاقتصاد الوطني.
وأوضح الهيري أن التحقيقات كشفت عن آليات إجرامية متعددة المستويات يمكن تصنيفها في ثلاثة محاور رئيسية، أولها تأسيس شركات صورية يتم استغلالها لاستخراج الحد الأقصى من الامتيازات الضريبية والمالية قبل بيعها لأشخاص عديمي الذمة المالية، مع استمرار المؤسسين الأصليين في إدارتها من الخلف عبر توكيلات محكمة.
ويتمثل المحور الثاني، حسب المتحدث، في إصدار فواتير وهمية بهدف الرفع الاصطناعي من قيمة المصاريف المعلنة، وبالتالي تخفيض وعاء الضريبة على القيمة المضافة.
وأضاف الهيري أن “المحور الثالث فيتجلى في إيداع أموال في حسابات بنكية وتحويلها بشكل سريع بين حسابات وسيطة قبل سحبها نقداً أو تمريرها عبر شيكات بين حسابات يملكها وسطاء”.
وأشار إلى أن فهم أسباب هذه الظاهرة يعد شرطاً أساسياً لأي مكافحة فعالة، مبرزاً أن من بين أبرز هذه الأسباب ضعف التنسيق المؤسساتي في تبادل المعلومات، وضخامة الاقتصاد غير المهيكل الذي يوفر بيئة حاضنة لثقافة التهرب الضريبي، إضافة إلى توظيف المنصب السياسي كدرع واقٍ ضد الرقابة أو التدقيق الجبائي، مما يحول المسؤولية المحلية من خدمة الصالح العام إلى غطاء مؤسسي للإجرام، فضلاً عن محدودية الرقابة الاستباقية وغياب أنظمة إنذار مبكر قائمة على تحليل الأنماط والذكاء الاصطناعي.
وأضاف الخبير الاقتصادي أن التهرب الضريبي يشكل في جوهره نهباً منظماً لثروات الأجيال القادمة، حيث يؤدي انتشار الفواتير الوهمية إلى الإضرار بالعدالة الضريبية وإفساد المنافسة الحرة بشكل ممنهج، من خلال تمكين الشركات المتهربة من تقديم أسعار تنافسية مصطنعة تعجز أمامها المقاولات الملتزمة بالقانون، مما يدفعها إلى التقلص أو التوقف.
وأكد الهيري لـ”كود” أن الملاحقات الجنائية وحدها، رغم أهميتها، لا تكفي، داعياً إلى تبني رؤية متكاملة تجمع بين الردع والوقاية والإصلاح الهيكلي، وذلك عبر إقرار الفوترة الإلكترونية الإلزامية، وتعزيز حكامة تعارض المصالح، وتطوير الاستخبار المالي الرقمي.
وختم بالتأكيد على أن العدالة الضريبية ليست مطلباً تقنياً فحسب، بل ركيزة أساسية للعقد الاجتماعي، وأن حماية المال العام تمثل صوناً لكرامة المواطن في صحته وتعليم أبنائه ومستقبل بلده.
المصدر:
كود