آخر الأخبار

نفس الوجبة ترفع السكر عند شخص ولا تؤثر على آخر.. دراسة علمية تغير مفاهيم علم التغذية

شارك

أظهرت دراسة علمية نشرت في مجلة Cell العالمية، حملت عنوان “Personalized Nutrition by Prediction of Glycemic Responses” وأعدها فريق بحثي من معهد فايتسمان للعلوم، أن ردود فعل الجسم للأطعمة ليست موحدة كما كان يُعتقد، وأن هناك تبايناً كبيراً بين الأفراد في استجابة مستويات السكر بعد الوجبات.

الدراسة تعتمد على بيانات حقيقية جمعت من أكثر من 1.5 مليون قياس لسكر الدم، وتضع الميكروبيوم المعوي كعنصر أساسي في تفسير هذا التباين، مما يضعف كثيراً من المفاهيم التقليدية حول “الطعام الصحي” و”السعرات الحرارية”.

وركّزت الدراسة على قياس استجابات السكر بعد الأكل لدى 1000 شخص بالغين أصحاء في حياتهم اليومية، باستخدام أجهزة مراقبة مستمرة لسكر الدم على مدار أسبوع كامل، وتم تسجيل أكثر من 1.5 مليون قراءة دقيقة، حيث كان الهدف تطوير نموذج تنبؤي قادر على تمييز استجابات كل فرد للأطعمة المختلفة وتقديم توصيات غذائية شخصية.

وتطرح هذه الدراسة، بشكل علمي موثَّق وخاضع لمراجعة صارمة، أن التغذية الشخصية، أي النظام الغذائي المبني على بيانات كل فرد نفسه، قد تكون أكثر فعالية في التحكم في استجابة السكر من الأنظمة الموحدة التي تتجاهل الفروق الفردية بين الأشخاص.

الشوفان مقابل الآيس كريم: البصمة المعوية تحدد ارتفاع السكر بعد الوجبة

أظهرت الدراسة أن استجابة السكر بعد تناول الشوفان ليست متشابهة بين الأفراد، ففي حين أن بعض المشاركين شهدوا ارتفاعاً محدوداً في مستويات السكر بعد تناول وجبة شوفان غنية بالكربوهيدرات المعقدة، واجه آخرون ارتفاعات حادة في السكر بعد نفس الوجبة. هذه النتائج تشير إلى أن الشوفان، الذي غالباً ما يعتبر وجبة صحية، قد لا يكون مثالياً لكل شخص بنفس الطريقة، وأن الاستجابة تعتمد بشكل كبير على خصائص الفرد البيولوجية.

على الجانب الآخر، أظهرت الدراسة أن الآيس كريم، رغم احتوائه على سكريات ودهون، لم يرفع مستوى السكر بشكل كبير لدى بعض المشاركين، ما كان يبدو متناقضاً مع ما توقعه الباحثون وفق النظرية التقليدية للسعرات الحرارية أو المؤشر الجلايسيمي. وقد أوضحت الدراسة أن اختلاف استجابة الجسم لهذا النوع من الوجبات مرتبط بالبصمة الميكروبية المعوية لكل فرد، إذ تختلف بكتيريا الأمعاء في قدرتها على معالجة الكربوهيدرات والدهون، وبالتالي تتحكم في سرعة وكمية امتصاص السكر في الدم.

وتؤكد الدراسة أن الميكروبيوم المعوي هو المتغير الأهم الذي يفسر هذا التباين، حيث يمكن لنفس الطعام أن يؤدي إلى ارتفاع حاد في السكر لدى شخص وارتفاع محدود أو معتدل لدى آخر. وبهذا، فإن نتائج البحث تدعم فكرة التغذية الشخصية وتظهر أن توصيات الغذاء العامة، حتى إذا اعتبرت الشوفان صحياً أو الآيس كريم مضراً، لا يمكن تطبيقها بنفس الطريقة على الجميع، لأن كل فرد يمتلك بصمة ميكروبية فريدة تحدد كيفية استجابته للطعام.

مراقبة استجابة السكر: بيانات غير مسبوقة في علم التغذية

في هذه الدراسة، راقب الباحثون مستويات الجلوكوز في الدم لحظياً لمدة أسبوع كامل لدى المشاركين، باستخدام أجهزة مراقبة مستمرة، وتم تسجيل ذلك خلال أكثر من 46,000 وجبة فعلية تناولها المشاركون في حياتهم اليومية.

وقد أوضح الباحثون أن هناك تبايناً كبيراً في الاستجابة السكرية لنفس الوجبة لدى مختلف الأفراد، حتى عندما كانت الوجبات نفسها مكوَّنة من المكونات نفسها تقريباً. وهذا يعني أن شخصاً معيناً قد يشهد ارتفاعاً كبيراً في سكر الدم بعد تناول وجبة معيَّنة، بينما لا يحصل ذلك مع شخص آخر، على الرغم من تشابه محتوى الوجبة.

وأوضح ملخّص الدراسة أن التوصيات الغذائية المعتمدة على قواعد عامة وحدها، مثل عدّ السعرات أو الالتزام بمؤشر جلايسيمي موحَّد، قد تكون غير كافية أو حتى مضلِّلة، نظراً لهذه الفروقات الفردية الواسعة في استجابة الجسم بعد الوجبات.

وقد صرّح الباحثون أن الارتفاع في مستوى السكر بعد الأكل (Postprandial Blood Glucose) يُعد من أهم عوامل الخطر لمرحلة ما قبل السكري ولداء السكري من النوع الثاني، وأن فهمه بدقة ضروري لتحسين الصحة العامة.

عوامل متعددة تدخل في التنبؤ باستجابة الجسم

لم يكتف الباحثون بقياس مستويات السكر فحسب، بل جمعوا أيضاً بيانات واسعة عن كل مشارك، شملت المعايير الدموية والبيولوجية والعادات الغذائية اليومية والخصائص الجسمانية ومستوى النشاط البدني وتركيب الميكروبيوم المعوي (Gut Microbiota)

وقد أظهر التحليل أن الميكروبيوم المعوي كان واحداً من أقوى المتغيرات التي تفسر لماذا يستجيب شخص ما بطريقة مختلفة عن آخر لنفس الغذاء. وهذا يعني أن بكتيريا الأمعاء نفسها تساهم بقوة في تحديد ما إذا كانت وجبة معينة سترفع سكر الدم أو لا لدى كل شخص.

ولذلك، طور الفريق خوارزمية تعليم آلي (Machine Learning) تجمع بين جميع هذه البيانات لتحديد “بصمة غذائية شخصية” قادرة على التنبؤ باستجابات السكر بعد أي وجبة بدقة عالية.

وقد أكد الباحثون صحة نتائج النموذج من خلال التحقق من دقة التنبؤات في مجموعة مستقلة من 100 شخص إضافي لم يشاركوا في التدريب الأولي للنموذج، وكانت التنبؤات دقيقة أيضاً.

تجربة عشوائية مضبوطة: النظام الشخصي يتفوق على العام

بعد تطوير نموذج التنبؤ، أجرى الفريق في الدراسة تجربة عشوائية مضبوطة (Randomized Controlled Trial) تعتمد على التوصيات الغذائية الناتجة عن الخوارزمية.

وفي هذه المرحلة، قُسِّم المشاركون إلى مجموعتين، مجموعة اتبعت نظاماً غذائياً شخصياً بناءً على تنبؤات الخوارزمية ومجموعة اتبعت نظاماً غذائياً عاماً غير مخصص.

وأظهرت نتائج التجربة أن الأفراد الذين اتبعوا خطة غذائية مخصصة سجّلوا انخفاضاً أكبر في الاستجابة السكرية بعد الوجبات مقارنة بالمجموعة التي اتبعت نظاماً عاماً. كما لوحظ أن خطة التغذية الشخصية ارتبطت بتغيرات متناسقة في تركيب الميكروبيوم المعوي للمشاركين، ما يشير إلى أن التوصيات الفردية لا تحدث فقط تغييراً في مستويات السكر، بل قد تؤثر أيضاً على “بصمة” الجسم نفسه.

تداعيات الدراسة: نحو نهاية النظام الغذائي الموحد؟

تخلص الدراسة إلى أن التباين الكبير في استجابة الأفراد بعد الوجبات يعني أن التوصيات الغذائية العامة قد لا تكون فعالة بالقدر الكافي لصحة الجميع، وأن النظام الغذائي المخصص لكل فرد بناءً على بياناته الخاصة، خاصة البصمة الميكروبية، هو السبيل الأكثر فعالية لتحسين الاستجابة السكرية وتقليل مخاطر ما بعد الأكل.

وفي خلاصة ما توصّل إليه الباحثون، الاستجابة بعد الوجبات تختلف بشكل كبير بين الأفراد حتى عند تناول وجبات متطابقة والاعتماد على قواعد عامة مثل عدد السعرات أو المؤشر الجلايسيمي الموحد وحده غير كافٍ ودمج البيانات البيولوجية والشخصية في خوارزمية يمكن أن يتنبأ بدقة استجابة السكر، كما أن النظام الشخصي المبني على هذه التنبؤات يقلّل من الاستجابات السكرية الضارة بعد الوجبات.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا