تحليل- كود//
كشفت الحرب الحالية عن تحول إيران إلى مصدر تهديد مباشر للاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط، بعدما تخلت عن سياسة حروب الوكلاء وانتقلت إلى تنفيذ هجمات مباشرة على دول الجوار، مخلفة أضرارا كبيرة سياسيا واقتصاديا.
ومنذ بداية الحرب الإسرائيلية الأميركية ضد إيران في نهاية فبراير الماضي، كثفت طهران هجماتها، مستهدفة دول الخليج بآلاف الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، رغم أنها ليست طرفا مباشرا في النزاع، ما جعلها توصف بـ”الخطر الأكبر” على أمن المنطقة.
وأكدت هذه التطورات، وفق عدة مواقف دولية، أن النظام الإيراني يسعى إلى زعزعة استقرار المنطقة ونشر الفوضى. وفي هذا السياق، أصدر الاتحاد الأوروبي خلال مارس بيانا شديد اللهجة، أعلن فيه فرض عقوبات واسعة على طهران بسبب القمع الداخلي، وانتهاكات حقوق الإنسان، إلى جانب تهديداتها المستمرة للأمن الإقليمي والدولي عبر برامجها الصاروخية والنووية ودعمها لجماعات مسلحة في الشرق الأوسط.
كما دعا إيران إلى إنهاء برنامجها النووي، وكبح برنامجها الصاروخي، والامتناع عن أي أنشطة مزعزعة للاستقرار، مع التشديد على ضرورة احترام القانون الدولي وحماية المدنيين.
وجدد الاتحاد الأوروبي رفضه للهجمات الإيرانية، معتبرا أنها انتهاك صارخ لسيادة دول المنطقة، ومؤكدا تضامنه الكامل مع الدول المتضررة، مع إمكانية تفعيل آليات الحماية المدنية الأوروبية عند الحاجة. وقد حظي هذا الموقف بدعم دول أوروبية وغير أوروبية، من بينها أوكرانيا وصربيا والنرويج وألبانيا.
من جانبه، شدد المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أنور قرقاش، على أن أي حل سياسي مستقبلي يجب أن يتضمن “ضمانات واضحة لعدم تكرار الاعتداءات”، إلى جانب تعويضات عن الأضرار التي لحقت بالمنشآت المدنية. واعتبر أن إيران خدعت جيرانها بشأن نواياها، وكشفت عن عدوان مبيّت، ما يجعل مسألتي عدم الاعتداء والتعويضات أساسيتين في أي تسوية.
وفي السياق نفسه، حمّل الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، جاسم البديوي، إيران مسؤولية التصعيد، داعيا إلى موقف دولي حازم لوقف الهجمات، ومؤكدا أن دول الخليج التزمت بسياسة النأي بالنفس والسعي إلى الحلول السلمية، إلا أن الاعتداءات الإيرانية تهدد الأمنين الإقليمي والدولي بشكل خطير.
وتعززت هذه الاتهامات بمعطيات رقمية، حيث كشفت منظمة “ACLED” أن نحو 83% من الهجمات الإيرانية استهدفت دول الخليج، مقابل 17% فقط نحو إسرائيل، رغم أن هذه الدول ليست طرفا في الحرب، وهو ما يبرز طبيعة الاستهداف الإيراني المباشر لدول المنطقة.
كما أدان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة هذه الهجمات، مطالبا إيران بوقفها فورا وتعويض المتضررين، واحترام قواعد القانون الدولي، خصوصا فيما يتعلق بعدم استهداف المدنيين والبنيات التحتية الحيوية.
وفي تصريحات أخرى، أكد رئيس مركز الخليج للأبحاث، عبد العزيز بن صقر، أن دول المنطقة أبلغت واشنطن بضرورة أن يشمل أي اتفاق مع إيران ضمانات صريحة لأمن الخليج، مشيرا إلى أن الوقت قد حان للدفاع عن المصالح الإقليمية بشكل مباشر.
ووصلت حدة التوصيف إلى اعتبار ما تقوم به إيران “تهديدا وجوديا”، حيث أكد سفير الكويت في مجلس حقوق الإنسان أن هذه الأفعال تقوض السيادة والقانون الدولي. كما اعتبر سفير سلطنة عمان أن الضربات الإيرانية كانت الشرارة التي فجرت التصعيد الحالي، محذرا من تداعياتها الخطيرة على الأمن والاستقرار والمصالح الاقتصادية.
أما رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن، فوصف الهجمات الإيرانية بأنها خلقت “شعورا بالخيانة”، مؤكدا أن دول الخليج لم تكن تتوقع استهدافها من طرف جار، ورافضا بشكل قاطع أي مبررات تقدمها طهران.
ولم تقتصر تداعيات التحركات الإيرانية على الجانب الأمني فقط، بل امتدت إلى الاقتصاد العالمي، خاصة بعد تهديد الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره حوالي 20% من إمدادات النفط العالمية وما يقارب 500 مليار دولار من تجارة الطاقة سنويا.
وأدى هذا الوضع إلى اضطرابات حادة في أسواق الطاقة، حيث ارتفع سعر خام برنت إلى نحو 100 دولار للبرميل مع بداية التصعيد، مع توقعات ببلوغه ما بين 150 و200 دولار في حال استمرار الأزمة، وهو ما يشكل ضغطا كبيرا على الاقتصاد العالمي.
كما حذرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من تأثير هذه التطورات، متوقعة تباطؤ النمو العالمي إلى حدود 2.9%، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وتعطل الإمدادات، بما في ذلك مواد أساسية مثل الأسمدة، ما يؤثر بدوره على قطاعات كالفلاحة.
ومن بين المؤشرات الخطيرة أيضا، ارتفاع تكاليف التأمين على السفن بنسبة تصل إلى 1000%، حيث قد تصل كلفة التأمين الإضافية إلى حوالي 7 ملايين دولار لناقلة واحدة، وهو ما دفع بعض شركات التأمين إلى الانسحاب من تغطية المخاطر في المنطقة.
المصدر:
كود