اختار نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، إقليم العرائش ليطلق منها ما يشبه “العد التنازلي” للاستحقاقات التشريعية لعام 2026. فبينما كانت الساكنة تترقب حصيلة التدخلات الميدانية بعد الفيضانات الأخيرة، كان “زعيم الاستقلاليين” يمزج بدقة بين قبعته الوزارية المكلفة بالماء والتجهيز وقبعته الحزبية الطامحة لتجديد المشروعية.
من خلال استعراض أرقام ضخمة لمشاريع السدود والبنيات التحتية، وتعهدات مباشرة بإنعاش “جيوب” المتضررين عبر صندوق الكوارث، حرص بركة في تحويل اللقاء التواصلي إلى منصة لاستعراض العضلات الحكومية، في محاولة لاستغلال ورقتي “الأمن المائي” و”الدعم الاجتماعي” لترسيخ نفوذ “الميزان” في دائرة انتخابية تزداد فيها حدة المنافسة يوما بعد يوم.
في سياق الاستعدادات المبكرة للاستحقاقات التشريعية المرتقبة، قاد نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، الأحد 29 مارس 2026، لقاء تواصليا بمدينة العرائش، خصصه لاستعراض حصيلة عدد من المشاريع الحكومية والبرامج التنموية، في خطوة قرأها متابعون كجزء من تحركات انتخابية تستهدف تعزيز حضور الحزب بدائرة العرائش.
اللقاء، الذي نظمته المفتشية الإقليمية للحزب، عرف حضور منتخبين وبرلمانيين وفعاليات حزبية محلية، من ضمنهم المفتش الإقليمي حسن عامر ونائبه أسامة الجباري، إلى جانب رؤساء جماعات ومنتخبي الحزب وأعضاء المجلس الوطني والتنظيمات الموازية، فضلا عن حضور لافت لساكنة الإقليم، وشكل مناسبة لبركة لتقديم معطيات مفصلة حول تدخلات الحكومة في مواجهة تداعيات الفيضانات الأخيرة، وكذا المشاريع المرتبطة بالبنية التحتية والماء والفلاحة.
وفي مستهل كلمته، استحضر بركة أجواء التضامن التي طبعت تفاعل ساكنة العرائش والقصر الكبير مع الفيضانات، مشيدا بما اعتبره “قِيما جماعية” ساهمت في تجاوز الأزمة، قبل أن ينتقل إلى عرض معطيات تقنية حول الواردات المائية الاستثنائية التي عرفها الإقليم، والتي فاقت، بحسبه، بثلاث مرات سعة سد وادي المخازن، معتبرا أن هذا الضغط غير المسبوق فرض تعبئة ميدانية دقيقة لمختلف المتدخلين.
وأوضح المسؤول الحكومي أن تدبير هذه الوضعية تم عبر تتبع لحظي لمستويات السدود وعمليات تفريغ جزئي منظم، مبرزا أن الربط بين سد وادي المخازن وسد خروفة، رغم محدودية قدرة القنوات مقارنة بحجم التدفقات، ساهم في حماية مدينة العرائش من مخاطر أكبر.
ويرى متتبعون أن تركيز بركة على عرض مشاريع حكومية وأوراش تنموية من داخل دائرة انتخابية محددة، مرفوقا برسائل اجتماعية مباشرة، يعكس توجها لاستثمار الحصيلة الحكومية في كسب ثقة الناخبين، خاصة في ظل احتدام المنافسة المرتقبة على المقاعد البرلمانية بإقليم العرائش، وسعي الأحزاب إلى تعزيز مواقعها قبيل انتخابات 2026.
وتوقف بركة عند الدعم المالي الذي تم رصده لفائدة المناطق المتضررة، مشيرا إلى أن إقليم العرائش أدرج ضمن المناطق المستفيدة من صندوق الكوارث الطبيعية، الذي تم رفع غلافه المالي إلى 3 ملايير درهم، منها 2.5 مليار درهم من ميزانية الدولة. ويشمل هذا الدعم إعادة إسكان المتضررين، وتأهيل المساكن والمحلات، وصرف مساعدات مباشرة تصل إلى 6000 درهم لكل أسرة، إلى جانب دعم الفلاحين ومرابي الماشية.
كما أبرز أن التساقطات الأخيرة، رغم أضرارها، تحمل انعكاسات إيجابية على المدى المتوسط، من خلال تعزيز المخزون المائي وضمان التزود بالماء الشروب لسنوات، إضافة إلى تحسين الإنتاج الفلاحي وإمكانيات استغلال الفرشة المائية، فضلا عن دعم إنتاج الطاقة الكهرومائية.
وفي سياق متصل، استثمر بركة المناسبة للإعلان عن برمجة مشاريع مائية جديدة، من بينها إنجاز سد تفر في أعالي وادي المخازن بسعة تصل إلى 900 مليون متر مكعب، يرتقب انطلاق أشغاله خلال السنة الجارية، إلى جانب مشروع محطة تحلية مياه البحر بطنجة بطاقة إنتاجية تصل إلى 150 مليون متر مكعب، والتي يُنتظر أن تساهم في تأمين تزويد إقليم العرائش بالماء.
كما تطرق إلى إشكالية انقطاع الماء ببعض المناطق، مشيرا إلى أن الشركة الجهوية متعددة الخدمات، بتنسيق مع وزارة الداخلية، تعمل على حصر المناطق المتضررة وإنجاز أثقاب استكشافية لضمان تزويد الساكنة بالماء الصالح للشرب في أقرب الآجال.
وعلى مستوى البنيات التحتية، أبرز بركة تقدم عدد من المشاريع الطرقية، من ضمنها إعطاء انطلاقة الشطر الثاني من مشروع توسيع وتقوية الطريق الوطنية رقم 1 الرابطة بين القصر الكبير وريصانة الجنوبية، إلى جانب برنامج لصيانة الطرق يمتد على 120 كلم، مع إمكانية رفعه إلى ما بين 150 و200 كلم مستقبلا. كما أشار إلى مشروع طريق سريع مرتقب بين سيدي اليمني وتطوان، إضافة إلى تهيئة طرق مدارية بالعرائش والقصر الكبير.
وفي الشق الاقتصادي، استحضر المسؤول الحزبي مشروع القطب الفلاحي اللوكوس، الذي دخل شطره الأول حيز التنفيذ، مع اقتراب انطلاق الشطر الثاني، مؤكدا أن هذا المشروع سيمكن من خلق نحو 12 ألف فرصة شغل لفائدة شباب الإقليم، في أفق تعزيز الدينامية الاقتصادية المحلية.
ولم يغفل بركة التطرق إلى برامج الدعم الاجتماعي، حيث أكد استمرار دعم غاز البوتان وعدم التوجه نحو الرفع من أسعاره، إلى جانب مواصلة دعم مهنيي النقل لمواجهة تقلبات أسعار الطاقة، مشيرا إلى أن وزارة النقل واللوجستيك تدرس حاليا ملفات دعم النقل الحضري بمختلف أصنافه.
كما دعا إلى مراجعة نظام الدعم الاجتماعي المباشر، من خلال تقييم مؤشراته وتحسين استهدافه، بهدف تمكين الأسر من الخروج من دائرة الفقر وتعزيز الإدماج الاقتصادي وتقوية الطبقة الوسطى.
وفي رسائل سياسية واضحة، شدد بركة على أن حزب الاستقلال “لا خصوم له”، وأنه يشتغل مع مختلف الفاعلين لخدمة الإقليم، قبل أن يؤكد أن الرهان لا يكمن فقط في كسب الانتخابات، بل في كسب ثقة المواطنين، داعيا إلى مشاركة مكثفة في الاستحقاقات المقبلة لضمان “مشروعية قوية” للحكومة القادمة.
كما أشار إلى أن البرنامج الانتخابي المرتقب للحزب سيستند إلى مخرجات “ميثاق 11 يناير للشباب”، في إطار محاولة استقطاب فئة الشباب وتعزيز حضور الحزب في المشهد السياسي.
المصدر:
العمق