في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
هبة بريس – ياسين الضميري/أيمن المغبر
في قلب التحولات الكبرى التي يشهدها تدبير الموارد المائية بالمغرب، برزت محطات معالجة المياه العادمة التي تشرف عليها OCP Green Water كأحد الأعمدة الأساسية في استراتيجية المجمع الشريف للفوسفاط، حيث لم تعد هذه المياه مجرد نفايات حضرية، بل أصبحت موردا استراتيجيا يعاد إدماجه في الدورة الصناعية والبيئية.
هبة بريس زارت بعضا من هاته المشاريع الحيوية و خاصة محطات اليوسفية، مراكش وبنجرير، و اتضح أن الأمر يتعلق بمنظومة متكاملة تتجاوز المعالجة التقليدية نحو تثمين حقيقي للماء.
في مراكش، تقف واحدة من أكبر محطات معالجة المياه العادمة بإفريقيا، مشروع ضخم تم إطلاقه في إطار شراكة بين القطاعين العام والخاص، المشروع رأى النور سنة 2011 قبل أن يعرف توسعات متتالية أبرزها سنة 2018، ما مكنه من بلوغ قدرة إنتاجية تفوق 32 مليون متر مكعب سنويا.
هذه المحطة لا تقتصر على معالجة المياه فقط، بل توفر موردا مائيا دائما يستعمل في سقي المساحات الخضراء وملاعب الغولف، إضافة إلى توجيه جزء من هذه المياه نحو الاستعمالات الصناعية، خاصة بعد ربطها بشبكة نقل تمتد لعشرات الكيلومترات في اتجاه مواقع المجمع المنجمية، وهو ما عزز استقلالية هذه المناطق مائيا.
أما بمحطة بنجرير، التي تندرج ضمن الدينامية البيئية التي تعرفها المدينة، فقد تم تطوير نظام متكامل لمعالجة المياه العادمة وإعادة استعمالها في إطار رؤية تجعل من المدينة نموذجا للاستدامة.
هذه المحطة تشتغل بتقنيات معالجة متقدمة، خصوصا المعالجة الثلاثية التي تشمل التعقيم بالأشعة فوق البنفسجية والكلور، ما يسمح بإنتاج مياه ذات جودة عالية قابلة لإعادة الاستعمال سواءا في الأنشطة الصناعية أو في سقي المساحات الخضراء.
كما أن ربط هذه المحطة بشبكات النقل المائي في اتجاه مواقع الإنتاج المنجمي، خاصة محور “الكنتور”، مكن من تأمين جزء مهم من حاجيات هذه الوحدات دون اللجوء إلى الموارد التقليدية و الاعتيادية.
وفي اليوسفية، التي تعد من أقدم الأحواض المنجمية بالمغرب، جاءت محطة معالجة المياه العادمة لتشكل حلا عمليا لإشكالية استهلاك المياه، حيث تم تطويرها لمواكبة الطلب المتزايد على الماء في عمليات غسل الفوسفاط.
وتعتمد هذه المحطة، مثل نظيرتيها، على تقنيات بيولوجية متطورة قائمة على نظام الحمأة المنشطة، ما يمكن من معالجة فعالة للمياه وإعادة توجيهها نحو الاستعمال الصناعي أو سقي المساحات الخضراء، وقد ساهمت هذه المنشأة بشكل مباشر في تقليص الضغط على الفرشات المائية التي كانت تستغل لسنوات طويلة، كما ساهمت في حماية البيئة بتخليصها من مياه عادمة كانت تطرح بشكل عشوائي في الطبيعة.
حسب القائمين على تدبير هاته المحطات، تمر عملية المعالجة عبر مراحل دقيقة ومترابطة، تبدأ بإزالة الشوائب الصلبة والرمال والزيوت، ثم المرور إلى أحواض الترسيب الأولي، قبل دخول المياه إلى الأحواض البيولوجية حيث تتكفل البكتيريا بتفكيك المواد العضوية.
بعد ذلك، يتم فصل الحمأة عن المياه في أحواض الترسيب الثانوي، لتخضع المياه لاحقا لمرحلة التعقيم النهائي، سواءا بالكلور أو بالأشعة فوق البنفسجية، ما يضمن جودتها واحترامها للمعايير البيئية، كما يتم تثمين الحمأة عبر الهضم اللاهوائي لإنتاج الغاز الحيوي، الذي يمكن استعماله كمصدر للطاقة داخل المحطة نفسها، في نموذج يعكس منطق الاقتصاد الدائري.
هذه المشاريع تندرج ضمن استراتيجية أوسع للمجمع الشريف للفوسفاط، الذي تمكن، بفضل استثماراته في تحلية مياه البحر ومعالجة المياه العادمة، من تحقيق الاكتفاء الذاتي من المياه غير التقليدية قبل الآجال المحددة، معتمدا بنسبة 100% على هذه الموارد لتأمين حاجياته الصناعية، وتشمل هذه الموارد المياه المحلاة القادمة من محطات كالجرف الأصفر وآسفي، إضافة إلى المياه المعالجة عبر شبكة من المحطات التي تم إنجازها بشراكة مع عدد من الفاعلين في مقدمتهم وزارة الداخلية و JESA.
وتندرج هذه الجهود ضمن رؤية استراتيجية تهدف إلى بلوغ قدرة إجمالية تناهز 560 مليون متر مكعب سنويا في أفق 2027، تشمل تحلية المياه ومعالجة المياه العادمة، ما يجعل من المجموعة فاعلا رائدا في مجال الأمن المائي على الصعيدين الوطني والإفريقي.
كما أن هذه المشاريع لا تخدم فقط الجانب الصناعي، بل تساهم أيضا في سقي المساحات الخضراء وتحسين جودة العيش داخل المدن، وتقليص الضغط على الموارد الطبيعية التقليدية، خاصة في سياق يتسم بتوالي سنوات الجفاف.
داخل هذه المحطات، الأمر يتجاوز الأرقام والمعطيات التقنية، إذ يعكس تحولا عميقا في فلسفة تدبير الماء، حيث لم يعد ينظر إليه كمورد محدود يجب استهلاكه بحذر فقط، بل كعنصر يمكن إعادة إنتاجه وتثمينه بفضل التكنولوجيا والابتكار.
و بين أنابيب المعالجة وأحواض التهوية، تشتغل كفاءات مغربية باحترافية و مهنية و روح مسؤولية عالية، تقود هذا التحول في صمت، لتجعل من المياه العادمة موردا استراتيجيا، ومن الاستدامة خيارا عمليا وليس مجرد شعار.
تفاصيل أوفى بحصوص محطات معالجة المياه العادمة التي تشرف عليها OCP GREEN WATER تجدونها في الفيديو التالي:
المصدر:
هبة بريس