آخر الأخبار

“هندسة غامضة وغياب للوقاية”.. مجلس حقوق الإنسان يحصي “هفوات” قانون حماية الطفولة

شارك

أثار مشروع القانون رقم 29.24، الذي أعدته وزارة العدل تحت إشراف عبد اللطيف وهبي، والمتعلق بإحداث الوكالة الوطنية لحماية الطفولة، نقاشا حقوقيا ومؤسساتيا متصاعدا، خاصة بعد الملاحظات التي قدمها المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والتي كشفت عن اختلالات بنيوية تطرح أكثر من سؤال حول جدوى النموذج المقترح وقدرته على إحداث تحول فعلي في سياسات حماية الطفولة.

مصادقة سابقة لأوانها

أولى الملاحظات النقدية التي أثارها المجلس الوطني لحقوق الإنسان تتعلق بمنهجية إعداد المشروع، حيث تمّت المصادقة عليه ونشره قبل استيفاء مسطرة إبداء الرأي من قبل المؤسسة الدستورية المختصة. هذا المعطى يطرح إشكالا مؤسساتيا يتجاوز الشكل، ليطال جوهر التشريع التشاركي، ويعكس، وفق عدد من المتابعين، توجها نحو تسريع المساطر على حساب جودة النص القانوني وتوافقه مع المرجعيات الحقوقية.

رغم الطابع الطموح لإحداث وكالة وطنية لحماية الطفولة، إلا أن المشروع، في صيغته الحالية، لا يقدم تصورا واضحا لهندسة التدخل العمومي، خصوصا في ما يتعلق بتوزيع الأدوار بين الدولة والجماعات الترابية وباقي المتدخلين. هذا الغموض قد يؤدي إلى تكرار اختلالات سابقة، حيث تتداخل الاختصاصات دون تحديد دقيق للمسؤوليات، ما يضعف النجاعة ويعقّد آليات المحاسبة.

من أبرز الانتقادات الموجهة للمشروع تركيزه الكبير على مراكز حماية الطفولة والإيواء، مقابل ضعف في تبني مقاربة وقائية شمولية. فبدل الاستثمار في الوقاية المبكرة ودعم الأسرة كفضاء أولي للحماية، يبدو أن النص يميل إلى منطق التدخل بعد وقوع الخطر، وهو ما قد يكرّس “ثقافة الإيداع” بدل الحد منها.

وتحذر المقاربات الحقوقية الحديثة من هذا التوجه، إذ أن الإيواء المؤسساتي، إذا لم يكن مضبوطاً بضمانات صارمة، قد يتحول من آلية حماية إلى عامل لإعادة إنتاج الهشاشة.

ضعف ضمانات المراقبة والمساءلة

ينص المشروع على مبدأ “المصلحة الفضلى للطفل”، غير أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان يسجل أن هذا التنصيص يظل في حدود الإعلان، دون إرساء آليات عملية لتفعيله، مثل معايير التقييم، أو إلزامية تعليل القرارات، أو تمكين الطفل من الطعن فيها.

هذا القصور قد يفرغ أحد أهم المبادئ المؤطرة لحقوق الطفل من محتواه، ويحول دون ترجمته إلى إجراءات ملموسة داخل منظومة الحماية.

من بين النقاط المثيرة للقلق أيضاً محدودية آليات الرقابة المستقلة على مؤسسات حماية الطفولة. فغياب بنية رقابية قوية ومستقلة قد يفتح المجال أمام اختلالات في التدبير، أو حتى ممارسات تمس بحقوق الأطفال داخل مراكز الإيواء، خاصة في ظل ما سجلته تقارير وطنية ودولية سابقة.

كما أن المشروع لا يوضح بشكل كافٍ مساطر التبليغ عن الانتهاكات، ولا يوفر ضمانات كافية لحماية الأطفال المبلّغين، ما قد يكرس مناخ الصمت داخل هذه المؤسسات.

ينتقد المجلس كذلك غياب تصور واضح لمرحلة ما بعد مغادرة الأطفال لمؤسسات الرعاية، وهي مرحلة حساسة غالباً ما يعود فيها الأطفال إلى أوضاع الهشاشة أو الإقصاء. فالمشروع لا يقدم آليات كافية للمواكبة البعدية، ولا يضمن إدماجاً فعلياً ومستداماً لهؤلاء الأطفال في المجتمع.

الحاجة إلى مراجعة عميقة

يأتي هذا المشروع في سياق أوسع تعلن فيه الحكومة عن توجه نحو بناء “الدولة الاجتماعية”، غير أن القراءة النقدية لمضامينه تكشف عن فجوة بين الخطاب والممارسة. فبدل إرساء منظومة مندمجة قائمة على الوقاية والتنسيق متعدد القطاعات، يظل النص حبيس مقاربة قطاعية تقليدية.

في ضوء هذه الملاحظات، المثارة بشأن مشروع القانون رقم 29.24، دعا المجلس الوطني لحقوق الإنسان إلى مراجعة عميقة تضمن وضوحا في الهندسة المؤسساتية وتحديد المسؤوليات، وتعزيز المقاربة الوقائية ودعم الأسرة، وتفعيل حقيقي لمبدأ المصلحة الفضلى للطفل، مشددا على ضرورة إرساء آليات رقابة مستقلة وفعالة، وضمان الاستمرارية في الحماية بعد مغادرة المؤسسات.

وخلص المجلس الوطني لحقوق الإنسان إلى أن مشروع القانون يشكل فرصة لإحداث تحول فعلي في سياسات حماية الطفولة بالمغرب، شريطة ملاءمته مع الدستور والالتزامات الدولية، وتعزيز قدرته على إرساء منظومة متكاملة تضمن كرامة الطفل وتماسك مسارات إدماجه داخل المجتمع .

ويؤكد المجلس أن الرهان لا يقتصر على إحداث مؤسسة جديدة، بل يتجاوز ذلك إلى بناء نموذج حماية يرتكز على الوقاية، والنجاعة، واحترام الحقوق الأساسية للأطفال في مختلف وضعياتهم.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا