في أول تفاعل له مع الحكم القضائي الصادر في حقه، خرج عبد الرزاق المير، المتصرف بمصلحة الاستقبال والمسؤول عن الفوترة بالمستشفى الإقليمي الحسن الثاني بخريبكة، عن صمته، مقدما روايته لملابسات الخلاف الذي جمعه بطبيبة أخصائية في طب العيون، ومؤكدا أنه تفاجأ بصدور الحكم دون أن يتم تبليغه أو استدعاؤه لحضور أي جلسة من جلسات المحاكمة، في الوقت الذي اعتبرت فيه الطبيبة المعنية أن “القضاء أنصفها وأثبت حقيقة الموضوع بعد ما وصفته بـ”الإهانات” التي تعرضت لها من طرفه”.
وكانت المحكمة الابتدائية بخريبكة قضت بإدانة الموظف بشهرين حبسًا موقوف التنفيذ، إلى جانب غرامة مالية قدرها 1000 درهم، عقب اجتماع داخلي عرف نقاشًا حادًا بين الموظف والطبيبة، قبل أن يتطور الخلاف إلى توجيه عبارة “حللي فلوسك”، التي اعتبرتها الطبيبة إهانة تمس كرامتها المهنية، ما دفعها إلى اللجوء إلى القضاء.
وسلط الموظف المذكور، في تصريح لجريدة “العمق”، الضوء على ما وصفه بـ”اختلالات مهنية” و”تقاعس في أداء المهام” داخل مصلحة طب العيون، معتبرا أن جوهر الخلاف يتجاوز الواقعة المعزولة ليعكس إشكالات أعمق تمس جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.
وفي روايته لتفاصيل الواقعة، أوضح المتحدث أن الخلاف نشب داخل المؤسسة الصحية التي يعمل بها رفقة الطبيبة المعنية، حيث يشغل هو مهمة الاستقبال والقبول، في حين تشتغل هي كطبيبة أخصائية في طب العيون، مشيرا إلى أن بداية المشكل يعود إلى يوم تغيبَت فيه الطبيبة عن العمل، رغم توافد عدد كبير من المرضى القادمين من مختلف مناطق الإقليم.
وأضاف: “المواطنون كانوا قد أدوا واجبات الفحوصات، وبعد غياب الطبيبة توجهوا إلينا مطالبين باسترجاع أموالهم، وهو ما وضعنا في موقف حرج. تواصلت مع الإدارة، فأخبرتني أن الطبيبة ربما تقدمت برخصة غياب، وتم الاتفاق على أن يتم إدراج هؤلاء المرضى في أول يوم عمل لها لاحقا”.
وتابع المير أن الإشكال تفاقم بعد عودة الطبيبة، حيث “طلبت من المرضى إعادة الأداء من جديد”، معتبرا أن هذا الأمر غير مقبول، خاصة أن بعضهم انتظر أياما قبل حضورها، مضيفا: “الموظفون بدورهم استغربوا الوضع، خاصة مع وجود حالات تتوفر على التغطية الصحية، وهو ما يطرح إشكال ‘الازدواجية’ في الأداء”.
وأوضح أنه بادر مجددا إلى الاتصال بإدارة المستشفى، بما في ذلك المدير، قبل أن يتم في نهاية المطاف حل الإشكال وتمكين المرضى من الاستفادة من الفحوصات دون إعادة الأداء، “لكن الطبيبة، بالمقابل، تقدمت بشكاية تتهمنا فيها بعرقلة عملها”، وفق تعبيره.
وبخصوص الاجتماع الذي شهد الواقعة، أكد المير أنه جاء بعد الشكاية التي تقدمت بها الطبيبة، حيث تم عقد لقاء مع إدارة المستشفى لبحث الموضوع، موضحا أن النقاش خلال الاجتماع تمحور حول طبيعة العمل والاختلالات المسجلة، قبل أن يتطور إلى تبادل كلامي.
وقال في هذا السياق: “خلال الاجتماع، أوضحت لها أن مطالبة المرضى بإعادة الأداء أمر غير مقبول، خاصة وأنهم أدوا مسبقا وانتظروا حضورها، كما أثرت مسألة التزامها بتوقيت العمل، قبل أن ترد عليّ بعبارة تمس مستوى النقاش، وهو ما دفعني للرد في سياق انفعالي”.
وأشار إلى أن تصريحه المثير للجدل، والذي تضمن عبارة “حللي فلوسك”، جاء “في سياق الدفاع عن مصلحة المرضى والحديث عن معاناتهم”، مضيفا: “كنت أتحدث من منطلق إنساني، لأن هؤلاء المواطنين يتكبدون عناء التنقل والانتظار، ولا يمكن مطالبتهم بالأداء مرتين أو تركهم دون خدمات”.
واعتبر المتحدث ذاته الإشكال الحقيقي لا يرتبط بعبارة قيلت في لحظة توتر، بقدر ما يرتبط بسير العمل داخل المرفق الصحي، موضحا أن “عددا من المواطنين يتوافدون يوميا من مختلف مناطق الإقليم، ويتكبدون عناء التنقل وانتظار مواعيدهم، قبل أن يصطدموا بغياب الطبيبة أو تأخرها، وهو ما يخلق حالة من الاحتقان داخل المصلحة”.
وأوضح المتحدث أن من بين أبرز مظاهر الاختلال، ما وصفه بـ”عدم الالتزام بالتوقيت الإداري المحدد للعمل”، مشيرا إلى أن الطبيبة المعنية “لا تحضر وفق التوقيت القانوني من الساعة الثامنة والنصف صباحا إلى غاية الرابعة والنصف مساء، بل تسجل حالات حضور متأخر ومغادرة مبكرة”، معتبرا أن هذا السلوك “ينعكس بشكل مباشر على عدد المرضى الذين يتم التكفل بهم يوميا”.
وأضاف أن هذا الوضع يؤدي إلى “تراكم الحالات وتأجيل مواعيد المرضى، بل وحرمان البعض من الاستفادة من الفحوصات رغم أدائهم للرسوم”، مبرزا أن “الضغط الذي يتحمله موظفو الاستقبال والقبول يزداد في ظل غياب حلول تنظيمية واضحة، ما يجعلهم في الواجهة أمام شكاوى المواطنين”.
وفي هذا السياق، أشار المير إلى واقعة مطالبة مرضى بإعادة أداء واجبات الفحص، رغم أنهم سبق أن أدوا مستحقاتهم، معتبرا أن “هذا النوع من الممارسات يطرح علامات استفهام حول تدبير المواعيد واحترام حقوق المرتفقين”، مضيفا أن “الموظفين وجدوا أنفسهم أمام وضع غير مقبول، خاصة في ظل وجود مرضى يتوفرون على تغطية صحية”.
وشدد المتحدث على أن “المشكل كان من المفترض أن يعالج في إطاره الإداري، من خلال فتح نقاش داخلي حول سبل تحسين سير العمل وضمان احترام التزامات جميع الأطراف”، معتبرا أن “تحويل الخلاف إلى مسار قضائي صرف، غيّب النقاش الحقيقي حول الاختلالات القائمة”.
وتابع قائلا إن “الاختلالات لا تقتصر على التوقيت فقط، بل تمتد إلى طريقة تدبير المواعيد والتعامل مع المرضى، حيث ينتظر عدد منهم لساعات طويلة، وفي بعض الحالات يغادرون دون الاستفادة من الخدمات، وهو ما يسيء لصورة المرفق العمومي”.
كما أشار إلى أن “تكرار الغيابات، سواء المبررة أو غير المبررة، يطرح بدوره إشكالا حقيقيا، خاصة إذا لم يتم ضبطه إداريا والتأكد من مدى احترام المساطر المعمول بها”، داعيا إلى “تدخل الجهات الوصية من أجل تقييم الوضع وضمان استمرارية الخدمة الصحية في ظروف ملائمة”.
وأكد المير أن “المواطن يظل الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، إذ يتحمل تبعات هذه الاختلالات بشكل مباشر”، مضيفا أن “الموظفين بدورهم يجدون أنفسهم في مواجهة يومية مع حالات الاحتقان والتذمر، رغم أنهم ليسوا المسؤولين عن أصل الإشكال”.
وختم تصريحه بالتشديد على أن “إصلاح هذه الوضعية يمر عبر تكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان احترام أوقات العمل والتزامات الوظيفة العمومية، بما يضمن كرامة المرضى وجودة الخدمات”، معتبرا أن “أي نقاش لا يضع مصلحة المواطن في صلب أولوياته يظل ناقصا ولا يعالج جوهر المشكلة”.
إقرأ أيضا: “حللي فلوسك” تقود موظفا بمستشفى خريبكة إلى الإدانة القضائية
الطبيبة: “القضاء أنصفني”
في ردها على هذه الاتهامات، أكدت الطبيبة المعنية، في تصريح لجريدة “العمق المغربي”، أن القضاء أنصفها بالكامل، مشددة على أن جميع الاتهامات المتعلقة بالتقاعس عن العمل أو حضورها بشكل غير منتظم أو طلب المرضى تأدية واجبات الفحوصات لمرتين تم التعامل معها قضائياً ولم تثبت ضدها.
وأضافت أن جميع النقاط المثارة حول التقاعس عن العمل أو حضورها مرتين أسبوعياً أو طلب أموال من المرضى قد تم التعامل معها قضائياً، وأن المحكمة لم تثبت أي من هذه الادعاءات ضدها، وقالت الطبيبة بهذا الخصوص: “المحكمة ثبتت أنني تعرضت للظلم، وما دام القضاء أنصفني فهذا يكفيني. إذا أراد أي طرف قول أي شيء آخر، فهو حر في ذلك، لكن أنا لن أشارك في أي جدل إضافي.”
وأضافت أن “مسارها كان عبر القضاء منذ البداية، مؤكدة أن القضاء هو الجهة الوحيدة المخولة بالفصل في مثل هذه القضايا، وأنها باعتبارها ملتزمة بالقيم المهنية والأخلاقية لا ترغب في الدخول في سجال إعلامي مع الطرف الآخر، حتى بعد تقديمه لتوضيحات إضافية للجريدة”، كما دعته لتقديم الحجج والدلائل أو تقديم دعوى قضائية لإثبات التهم الموجهة لها، معتبرة أن هذا الموضوع “منتهي وتم غلقه”.
المصدر:
العمق