تواصل الحرب المستعرة في الشرق الأوسط التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران والتطورات التي تعرفها في الأيام الأخيرة، إثارة الاهتمام في الساحة المغربية وشغل بال الرأي العام بخصوص آفاق هذه الحرب وتداعياتها الوخيمة على الاقتصاد الوطني والمعيش اليومي للمغاربة.
مع دخول الحرب أسبوعها الرابع، يبدو أن طول أمدها الذي كان يخيف المحللين المغاربة وربطهم مدى تأثر البلاد به، أضحى واقعا، بعدما انتفت أي مؤشرات للتهدئة في الوقت الراهن حيث لا صوت يعلو على لغة التصعيد وتوسع دائرة الحرب التي لا يمكن التنبؤ بمداها ومستقبلها.
في تعليقه على الموضوع، يرى خالد الشيات، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة الحسن الأول بوجدة، أن مؤشرات تطور الحرب الجارية تكشف عن “امتداد زمني يتجاوز التقديرات الأولية”، مبرزا أن الانتقال في الخطاب الأمريكي من الحديث عن “أيام” إلى “أسابيع”، وربما لاحقا “أشهر”، يعكس “تعقيدا ميدانيا واستراتيجيا يفوق ما كان متوقعا”.
وأوضح الشيات، ضمن تصريح لهسبريس، أن المنطق العسكري يفترض تراجع عدد الأهداف مع تدميرها، غير أن إعلان الولايات المتحدة وإسرائيل عن توسيع بنك الأهداف يشير بوضوح إلى “اتساع رقعة الحرب بدل انحسارها، وهو ما يؤكد وجود تشابك داخلي في بنية النظام الإيراني وقدرته على إعادة التكيف مع الضربات”.
وأضاف أن هذا الوضع يعكس “استراتيجية إيرانية قائمة على امتصاص الصدمة واستعادة المبادرة”، في مقابل غياب بديل سياسي واضح، حيث يبدو أن الخيار المطروح حاليا هو “إما استمرار النظام أو الانزلاق نحو الفوضى، وهو سيناريو لا يخدم بالضرورة مصالح الولايات المتحدة، وإن كان قد يتقاطع جزئيا مع حسابات أطراف أخرى”.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن أبعاد الصراع لا تنفصل عن توازنات دولية أوسع، لافتا إلى أن قوى كروسيا والصين “تتابع مجريات الحرب من زاوية استراتيجية، وقد ترى في إطالة أمدها فرصة لإعادة ترتيب موازين القوى، على غرار ما يحدث في أوكرانيا”.
أما على المستوى العسكري، فأثار الخبير في العلاقات الدولية تساؤلات حول “نجاعة الحرب الجوية في تحقيق أهدافها، خاصة في ظل تهديدات تطال منشآت الطاقة واحتمالات اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب استمرار القدرات الصاروخية الإيرانية، وهو ما يعزز فرضية “حرب طويلة ومعقدة”.
وبخصوص التأثيرات على المغرب، أكد المصدر نفسه أنها “ذات بعدين رئيسيين: اقتصادي وسياسي”، وشدد في الجانب الاقتصادي على أن المغرب، باعتباره “بلدا مستوردا للطاقة، سيكون أكثر عرضة لتقلبات أسعار النفط والغاز، خاصة وأن شركاءه التقليديين في المنطقة، مثل المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة، قد يتأثرون بدورهم بتداعيات الحرب، مما ينعكس على كلفة الطاقة والتضخم داخليا”.
أما على المستوى السياسي، فأبرز الشيات أن موقع إيران في التوازنات الإقليمية “يبقى عاملا غير مريح للمغرب”، بالنظر إلى علاقاتها مع الجزائر ودعمها لجبهة البوليساريو، معتبرا أن “تحييد النفوذ الإيراني في هذا السياق قد يخدم المصالح الاستراتيجية للمغرب، خاصة فيما يتعلق بقضية الصحراء”.
كما حذر من أن “صمود إيران أو خروجها بشكل أقوى من هذه المواجهة قد يمنحها هامشا أكبر للتحرك في مناطق عدة، من بينها شمال إفريقيا”، وهو ما قد ينعكس على توازنات إقليمية حساسة، خالصا إلى أن العالم يعيش “لحظة إعادة تشكل استراتيجي، وأن مآلات الحرب ستفرض على الدبلوماسية المغربية قدرا عاليا من المرونة وإعادة التكيف”، مبرزا أن السيناريوهات تبقى مفتوحة بين نظام إقليمي جديد قد يكون أكثر ملاءمة للمغرب، أو واقع معقد يفرض تحديات إضافية على سياسته الخارجية.
من جهته، أكد عبد الله أبو عوض، أكاديمي محلل سياسي مختص في العلاقات الدولية، أن الحرب الجارية لها تداعيات “عميقة ومركبة على المغرب، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي”، موردا أن هذه التأثيرات تتوزع على مستويات مترابطة عدة.
وأوضح أبو عوض، ضمن تصريح لهسبريس، أن أولى هذه الانعكاسات تبرز في قطاع الطاقة، باعتبار المغرب من الدول المستوردة بشكل كبير للنفط والغاز، وارتباطه بشركائه في الخليج، مثل المملكة العربية السعودية وقطر.
وأشار المحلل السياسي عينه إلى أن المغرب “نجح خلال السنوات الأخيرة في تعزيز أمنه الطاقي”، بفضل المشاريع الاستراتيجية التي أطلقها الملك محمد السادس، وهو ما يمنحه هامشا من الصمود في مواجهة الصدمات الخارجية.
وفي ما يتعلق بالوضع الداخلي، حذر أبو عوض من تداعيات التضخم على المجتمع ومكوناته، معتبرا أنه سيشكل “التحدي الأكبر خلال المرحلة المقبلة، خاصة بالنسبة للطبقة المتوسطة”، نتيجة ارتفاع الأسعار المرتبط بتقلبات الطاقة وسلاسل التوريد، ودعا الحكومة إلى اعتماد سياسات استباقية، من بينها “إجراءات ضريبية مرنة على مستوى الدخل والأجور، لحماية القدرة الشرائية من أي صدمات محتملة”.
كما نبه أبو عوض إلى مخاطر اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في حال استمرار التوترات في الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، ما قد يؤثر على حركة التجارة البحرية ويزيد من كلفة الاستيراد، وشدد على ضرورة تعزيز “المقاربات الداخلية لإيجاد بدائل وتقليل الاعتماد على المسارات المهددة”.
كما أشار إلى أن قطاع السياحة قد يتأثر بشكل “غير مباشر”، نظرا لاعتماد المغرب على الأسواق الأوروبية، التي تواجه بدورها تداعيات اقتصادية للحرب، خاصة في ظل استمرار آثار الحرب بين روسيا وأوكرانيا.
وفي ظل هذه التداعيات السلبية، اعتبر المتحدث لهسبريس أن الاستثمار يمثل “فرصة استراتيجية للمغرب؛ إذ يمكن أن يستفيد من موقعه كبلد مستقر وبعيد عن بؤر التوتر، ما يجعله وجهة جذابة للشركات الدولية الباحثة عن بيئة آمنة للاستثمار”.
وأوضح أن المغرب يواجه “وضعا دبلوماسيا دقيقا بسبب هذه الحرب، في ظل التوتر القائم مع طهران”، التي وصفها بأنها “عاصمة ذات بعد إيديولوجي”، مشيرا إلى وجود تباين بنيوي بين النظام الإيراني والمغرب، سواء على المستوى الديني أو السياسي، لافتا إلى أن مواقف إيران من قضية الوحدة الترابية للمغرب وعلاقاتها مع أطراف معادية للمملكة “تعقد المشهد الدبلوماسي، خاصة في ظل اصطفاف المغرب إلى جانب حلفائه في الخليج، وحرصه على استقرار هذه الدول”.
وخلص أبو عوض إلى أن المغرب رغم موقعه الجغرافي في شمال إفريقيا “ليس بمنأى عن التحولات الإقليمية والتحالفات المتغيرة”، داعيا إلى “اليقظة والحذر من أي تقلبات سياسية قد تؤثر على استقراره ومصالحه الاستراتيجية في المرحلة المقبلة”.
المصدر:
هسبريس