آخر الأخبار

تداعيات ارتفاع أسعار المحروقات تنذر بعودة الركود التضخمي في المغرب

شارك

عاد الجدل من جديد حول تأثير ارتفاع أسعار المحروقات على معدل التضخم في المغرب، خاصة في ظل التوترات الدولية التي انعكست على أسعار النفط في الأسواق العالمية. ويؤكد خبراء اقتصاديون أن العلاقة بين أسعار الطاقة ومستوى الأسعار داخل السوق الوطنية تبقى وثيقة، ما يفتح الباب أمام احتمال عودة الضغوط التضخمية إذا استمرت هذه التطورات خلال الفترة المقبلة.

انعكاسات على قفة المواطن

في هذا السياق، أوضح يوسف كراوي الفيلالي، خبير اقتصادي رئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير، أن ارتفاع أسعار المحروقات ستكون له انعكاسات مباشرة على المواد الاستهلاكية والغذائية التي تهم المواطنات والمواطنين.

وقال الفيلالي ضمن تصريح لهسبريس: “من المؤكد اليوم أن ارتفاع أسعار المحروقات سيكون له تأثير مباشر على المواد الاستهلاكية والغذائية التي تهم المواطنات والمواطنين. ورغم أن دعما قد تقرر توجيهه إلى مهنيي النقل، فإن هذا الدعم لا يملك أثرا مباشرا على القدرة الشرائية للمواطن”.

وأضاف موضحا طبيعة هذا الارتباط بين النقل والأسعار داخل السوق بكون “مختلف السلع والبضائع التي تُنقل عبر جهات المملكة تعتمد أساسا على الكازوال، وقد ارتفع سعر الكازوال اليوم بدرهمين في اللتر الواحد. وبالتالي ستكون هناك تأثيرات مباشرة على المواد الغذائية التي يستهلكها المواطنون، وهذا أمر شبه مؤكد”.

وفي حديثه عن المخاوف المرتبطة بالسياق الدولي، أشار الخبير الاقتصادي إلى احتمال عودة موجة تضخمية إذا استمرت أسعار النفط في الارتفاع، قائلا: “الشيء الذي نخشاه هو تطور هذه الحرب وارتفاع ثمن البرميل في الأسواق العالمية، مما قد يُدخلنا في موجة تضخمية، وقد نعود إلى وضع الركود التضخمي الذي عرفناه خلال الحرب الروسية الأوكرانية، حيث يتراجع معدل النمو بينما تستمر الأسعار في الارتفاع”.

مخاوف من “الركود التضخمي”

أوضح الفيلالي أن الوضع الحالي لم يصل بعد إلى مرحلة الركود التضخمي، لكنه يحمل مؤشرات تستدعي الانتباه، موردا: “نحن اليوم لم نصل بعد إلى مرحلة الركود التضخمي. هناك تطمينات من بنك المغرب، كما أن هناك دعما موجها إلى مهنيي النقل، لكن في المقابل نلاحظ ضمنيا ارتفاعا مهما في الأسواق وفي أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية. هذا الارتفاع كان قائما حتى قبل الحرب الحالية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أن ارتفاع أسعار المحروقات اليوم قد يدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع”.

وختم تصريحه بالتعبير عن أمله ألّا تطول الأزمة الحالية، قائلا: “نأمل ألّا تطول هذه الحرب، وإلا فإننا قد ندخل موجة تضخمية جديدة قد تقودنا إلى الركود التضخمي”.

من جهته، اعتبر أنس راضي، خبير الاقتصادي، أن العلاقة بين أسعار المحروقات والتضخم قائمة بالفعل، لكنها لا تعني بالضرورة عودة فورية وقوية للتضخم، موضحا أن الأمر مرتبط بتطورات أسعار النفط عالميا.

وقال راضي في تصريح لهسبريس: “صحيح أن هناك ارتباطا قائما وفعليا بين ارتفاع أسعار المحروقات واحتمال عودة الضغوط التضخمية في المغرب. غير أنه من أجل الحصول على صورة أدق، ينبغي التأكيد أننا لسنا أمام عودة قوية ومؤكدة للتضخم في الوقت الراهن، بل نحن أمام قناة ضغط واضحة يمكن أن تعيد رفع التضخم إذا استمرت وتيرة ارتفاع أسعار النفط على الصعيد العالمي، وهو أمر يرتبط بطبيعة الحال بالتطورات الجارية في الشرق الأوسط والحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى”.

إشكالية المخزون الطاقي

راضي شرح الآلية الاقتصادية التي تجعل المحروقات مؤثرة في مختلف الأسعار قائلا: “السبب الاقتصادي في ذلك بسيط، لأن المحروقات لا تؤثر فقط في كلفة التنقل، بل تدخل مباشرة في سلسلة الأسعار بأكملها. فعندما يرتفع سعر الكازوال أو البنزين، ترتفع كلفة نقل السلع، وترتفع أيضا كلفة الإنتاج والتوزيع وربما حتى التخزين. وبالتالي تنتقل الزيادة من أسعار المحروقات إلى أسعار المواد الاستهلاكية بشكل تدريجي، خصوصا السلع المنقولة والمنتجات الغذائية”.

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن “هذا ما يجعل المحروقات من أكثر العناصر قدرة على إعادة إشعال التضخم، حتى لو كان هذا التضخم العام منخفضا بشكل مؤقت في الوقت الحالي. كما أن حساسية المغرب تزداد تجاه هذا النوع من الصدمات، لأن البلاد تعتمد بشكل كبير على الخارج لتلبية احتياجاتها الطاقية”.

وأردف: “تشير التقارير الدولية إلى أن المغرب يعتمد على الاستيراد لتغطية الجزء الأكبر من حاجياته من الطاقة، كما أن تحرير أسعار المحروقات منذ سنة 2015 جعل انتقال الصدمات الدولية إلى السوق الداخلية أسرع مما كان عليه في السابق. وما يزيد أيضا من تأثير، غياب مخزون طاقي كاف”.

وتابع موضحا أن التطورات الأخيرة كشفت إشكالات مرتبطة بمستوى المخزون الطاقي، قائلا:

“مع الأسف لاحظنا أن الارتفاع الصاروخي في أسعار الطاقة وقع بعد نحو أسبوعين تقريبا من انطلاق التوترات في الشرق الأوسط، وهذا يدل على أن الفاعلين في سوق المحروقات لا يلتزمون بما هو منصوص عليه في دفتر التحملات من ضرورة التوفر على مخزون طاقي يكفي لأسابيع وربما لأشهر لتلبية الاحتياجات الطاقية”.

كما استحضر الإشارات التي بعث بها بنك المغرب خلال اجتماعه الأخير، موردا أن “الأهم أيضا أن بنك المغرب التقط الإشارة وبعث رسالة واضحة خلال اجتماعه الأخير؛ إذ رغم الإبقاء على سعر الفائدة عند مستوى 2.25 في المائة، فإنه أشار إلى أنه إذا كانت أسعار النفط مرشحة للارتفاع في سنة 2026 مقارنة بسنة 2025، فقد يعود التضخم تدريجيا إلى الصعود خلال ما تبقى من أشهر سنة 2026 وسنة 2027. وهذا الخطر ليس آنيا فقط، بل هو خطر استباقي أيضا، لأن التوترات الخارجية كلما طالت مدتها ارتفعت فاتورة الطاقة، وبالتالي تنتقل العدوى إلى الأسعار الداخلية بشكل أوسع”.

هشاشة القدرة الشرائية

على مستوى التأثيرات الأوسع على الاقتصاد المغربي، ذكر أنس راضي أن ارتفاع أسعار المحروقات لا يضغط فقط على الأسعار، بل يمتد أيضا إلى مؤشرات الاقتصاد الكلي، قائلا: “على مستوى الاقتصاد المغربي، فإن ارتفاع أسعار المحروقات لا يضغط فقط على الأسعار، بل يضغط أيضا على الميزان الخارجي وعلى النمو الاقتصادي؛ إذ يتوقع بنك المغرب اتساع عجز الحساب الجاري ليصل إلى نحو 3.1 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي في سنة 2026، والسبب الأساسي في ذلك هو ارتفاع فاتورة الطاقة”.

وختم راضي تصريحه بالتأكيد على أن استمرار هذه التطورات قد يضع الاقتصاد أمام تحديات معقدة، وقال إن “هذا يعني أن الاقتصاد قد يواجه معادلة صعبة تتمثل في ارتفاع كلفة الاستيراد، وهشاشة أكبر في الأسعار الداخلية، وضعف هوامش الربح لدى المقاولات، إضافة إلى أمر مهم جدا يتمثل في تعرض القدرة الشرائية للأسر لضغط كبير. لذلك، فإن خطر المحروقات على المغرب لا يقتصر فقط على ارتفاع ثمنها في محطات التوزيع، بل يمتد إلى احتمال تحويل صدمة نفطية خارجية إلى تضخم داخلي أوسع وتباطؤ اقتصادي نسبي كلما طال أمد هذه الأزمة”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا