في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
أكد خالد يايموت، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله، أن المشهد السياسي في المغرب يعيش أزمة عميقة ومتعددة الأبعاد، معتبراً أن طبيعة النخبة السياسية وتصوراتها لوظيفة الدولة والمجال السياسي تشكل من بين أبرز العوامل التي تغذي هذا الوضع.
وأوضح يايموت، خلال حلوله ضيفاً على برنامج نبض العمق، في معرض تفاعله مع سؤال حول مدى تجديد النخب والبرامج الحزبية، أن الواقع يكشف عن اختلالات بنيوية مرتبطة أساساً بثلاثة عناصر رئيسية، تتمثل في تصور النخب لوظيفة الدولة، وتصورها لوظيفة المجال السياسي، ثم طبيعة العلاقة بين وظيفة الحزب ووظيفة الدولة، معتبراً أن هذه الإشكاليات مجتمعة تشكل عائقاً حقيقياً أمام تطور الحياة السياسية.
وأشار المتحدث إلى وجود تباين واضح بين ما أسماه “عقل الدولة” الذي يفكر في السياسات العمومية والعلاقات الداخلية والخارجية بمنهجية معينة، وبين الأحزاب السياسية التي تتحرك بمنطلقات مختلفة، موضحاً أن هذه الأحزاب إما لا تشارك بفعالية في بلورة السياسات أو تكتفي بمواقف لا تضيف جديداً، سواء على مستوى التقييم أو التقويم، وفي بعض الحالات تلجأ إلى ما وصفه بالانتحال دون تقديم بدائل حقيقية.
وأضاف يايموت أن الأحزاب السياسية لا تزال تنظر إلى المجال السياسي بعقلية تقليدية تعتبره مجالاً خاصاً يجب الحفاظ عليه كمجال حيوي، مبرزاً أن هذا التصور يكرس نوعاً من التقسيم غير المعلن بين مجال خاص بالدولة وآخر خاص بالأحزاب، حيث تسعى هذه الأخيرة إلى الحفاظ على مواقعها ومصالحها داخل هذا المجال، سواء من حيث التموقعات السياسية أو الاجتماعية.
وفي ما يتعلق بالقوانين الانتخابية، اعتبر يايموت أن موضوع القاسم الانتخابي يمثل “رمانة الميزان” في فهم كيفية هندسة المشهد السياسي، موضحاً أن هذه القوانين تعكس في العمق أهداف الدولة ومنطلقاتها، خاصة في ما يتعلق بمدى الرغبة في خلق حياة سياسية حقيقية وإنتاج نخب جديدة منسجمة وقادرة على تنفيذ القرار السياسي.
وسجل المتحدث أن القوانين في المغرب تفتقد، في كثير من الأحيان، إلى خاصية الاستمرارية التي تعد من أهم خصائص القاعدة القانونية، مبرزاً أن التعديلات المتكررة التي تعرفها هذه القوانين مع كل محطة انتخابية تطرح إشكالاً جوهرياً، حيث لا يبدو أن الهدف منها هو تحسين الوضع بقدر ما هو إعادة ضبط التوازنات السياسية بعد اكتشاف اختلالات سابقة.
واعتبر يايموت أن هذا المنطق القائم على البحث المستمر عن توازنات مؤقتة يعكس تفكيراً غير ديمقراطي ولا ينسجم مع روح الدستور، مؤكداً أن نتائجه لا تقتصر على المجال الداخلي، بل تمتد لتؤثر على تموقع الدولة في محيطها الخارجي، حيث يؤدي غياب الاستقرار في الهندسة السياسية إلى إنتاج نتائج غير متوقعة تفرض على الدولة تدبير أزمات فرعية مكلفة مادياً وزمنياً.
وأضاف أن هذا الوضع ينعكس سلباً على قدرة الدولة على مواكبة التحولات الدولية المتسارعة، موضحاً أن التأخر في اتخاذ القرار أو في تنفيذ السياسات قد يؤدي إلى فقدان مواقع استراتيجية في مجالات النفوذ، وهو ما يترجم، بحسب تعبيره، إلى نوع من التقهقر في سياق دولي يتسم بالسرعة والتنافسية.
وفي تحليله لطبيعة العملية الانتخابية، شدد يايموت على ضرورة عدم فصلها عن ما سماه “منطق الهزيمة الذاتية”، معتبراً أن التدبير السياسي الحالي يعيد إنتاج مقاربات تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، حيث كانت الدولة تعتمد على توزيع الريع السياسي وخلق نخب من داخله بدل إفرازها عبر صناديق الاقتراع.
وخلص المتحدث إلى أن التحولات التي شهدها المغرب، سواء خلال تجربة التناوب بقيادة عبد الرحمن اليوسفي أو بعد دستور 2011، تبقى تحولات مهمة لكنها متقطعة، مشدداً على أن المرحلة الراهنة تفرض القطع مع المنطق القديم الذي أصبح، حسب تعبيره، منطقاً استنزافياً للدولة، معتبراً أن هذا الإدراك لم يعد يقتصر على التحليل الأكاديمي، بل أصبح محل قناعة ضمنية لدى الدولة نفسها.
المصدر:
العمق