قال خبراء في الاقتصاد إن “أيام عيد الفطر تُعد من الفترات التي يرتفع فيها الطلب على السيولة بشكل لافت، حيث يميل المواطنون إلى تفضيل التعامل بالنقد لتأمين نفقاتهم خلال العطلة”، موردين أن “هذا التوجه يأتي في سياق تغير وتيرة الحياة اليومية خلال هذه المناسبة، وتزايد المصاريف المرتبطة بالزيارات العائلية والتسوق، ما يعزز حضور النقد كوسيلة أساسية في المعاملات”.
ويرى اقتصاديون أن “هذا الإقبال الموسمي يكشف استمرار تحديات مرتبطة بضعف انتشار وسائل الدفع الحديثة، رغم التطور الذي يعرفه القطاع المالي”، مؤكدين أن “تقليص الاعتماد على النقد يظل رهيناً بتعزيز ثقة المواطنين في الحلول الرقمية وتوسيع استخدامها، بما يواكب التحولات الاقتصادية ويسهم في تحديث أنماط الاستهلاك والتبادل”.
رشيد ساري، المحلل والخبير الاقتصادي، قال إن “تزايد الإقبال على النقد خلال عطلة عيد الفطر بات ظاهرة متجددة تبرز بوضوح مع كل عطلة ممتدة، إذ يرتفع الطلب على السيولة بشكل لافت، خاصة عندما تتزامن العطلة مع توقف نسبي لبعض الخدمات البنكية”، موضحاً أن “هذه الدينامية تعكس سلوكاً احترازياً لدى المواطنين أكثر مما تعكس حاجة استهلاكية فعلية في جميع الحالات”.
وأضاف ساري، في تصريح لجريدة هسبريس، أن “فترات العطل تدفع عدداً مهماً من المواطنين إلى التوجه نحو الشبابيك الأوتوماتيكية لسحب مبالغ مالية، غالباً ما تفوق احتياجاتهم اليومية، وذلك بدافع التخوف من نفاد السيولة أو تعطل بعض القنوات البنكية”، مبرزاً أن “هذا السلوك يتكرر بشكل موسمي، ما يخلق ضغطاً إضافياً على أجهزة السحب، ويؤدي أحياناً إلى اختلالات ظرفية في تزويدها بالنقد”.
وأشار المحلل الاقتصادي ذاته إلى أن “من بين الأسباب البنيوية لاستمرار هذه الظاهرة محدودية انتشار وسائل الأداء الإلكتروني”، مورداً أن “فئات واسعة من التجار، خصوصاً في الأنشطة الصغيرة والمتوسطة، مازالت لا تعتمد الأداء عبر البطاقة أو الوسائل الرقمية”، وزاد: “يتجلى ذلك بشكل خاص في المعاملات اليومية البسيطة، حيث يظل النقد الوسيلة الأساسية للتبادل”.
وأكد المتحدث نفسه أن “هذا الواقع يساهم في تكريس الاعتماد المفرط على السيولة، بما لذلك من انعكاسات اقتصادية متعددة، من بينها صعوبة تتبع المعاملات المالية، وتغذية نمو القطاع غير المهيكل، فضلاً عن تأثيرات غير مباشرة على مؤشرات الاقتصاد الكلي، من قبيل التضخم وضعف نجاعة السياسات المالية الرامية إلى تعزيز الشمول المالي”.
وشدد ساري على أن “معالجة هذه الإشكالية تتطلب مقاربة شمولية وتدريجية، ترتكز على تطوير البنية التحتية للأداء الإلكتروني، وتحفيز التجار على اعتماد الحلول الرقمية، إلى جانب تعزيز ثقة المواطنين في هذه الوسائل”، داعياً إلى “تكثيف حملات التوعية بأهمية تقليص الاعتماد على النقد، لما لذلك من دور في تحسين شفافية المعاملات ودعم اندماج الاقتصاد غير المهيكل في الدورة الرسمية”.
بدوره قال محمد جدري، الخبير الاقتصادي، إن “استعمال النقد في المملكة المغربية بلغ مستويات قياسية، إذ تُقدَّر قيمته بأكثر من 420 مليار درهم”، مرجعاً ذلك إلى مجموعة من العوامل البنيوية، في مقدمتها اتساع القطاع غير المهيكل الذي يشتغل خارج القنوات الرسمية، ويعتمد بشكل شبه كلي على التداول النقدي، ما يعزز حضوره في الدورة الاقتصادية ويحدّ من فعالية السياسات المالية والنقدية.
وأضاف جدري، في تصريحه لهسبريس، أن “نسبة الولوج إلى الخدمات البنكية في المغرب مازالت محدودة مقارنة بحجم الساكنة”، موضحاً أن “عدد الحسابات البنكية لا يتجاوز حوالي 15 مليون حساب، وهو رقم يظل دون المستوى المطلوب لتحقيق شمول مالي حقيقي، خاصة في ظل الفوارق المجالية والاجتماعية، وضعف انتشار الخدمات البنكية في بعض المناطق القروية وشبه الحضرية”.
وأشار الخبير الاقتصادي ذاته إلى أن “الإشكال لا يقتصر فقط على ضعف عدد الحسابات البنكية، بل يشمل أيضاً سلوكيات المستخدمين، إذ إن شريحة مهمة من المواطنين، حتى من المتوفرين على حسابات، مازالت متحفظة تجاه المعاملات الرقمية، نتيجة اعتبارات مرتبطة بالثقة، وبمحدودية الوعي المالي، وبالتخوف من المخاطر المرتبطة بالأمن الرقمي، وهو ما يكرّس استمرار الاعتماد على النقد”.
وأكد المتحدث نفسه أن “هذه الوضعية تؤدي إلى آثار سلبية على الاقتصاد الوطني، من بينها فقدان جزء مهم من العائدات الضريبية، سواء ما يتعلق بالضريبة على الشركات أو الضريبة على القيمة المضافة أو الضريبة على الدخل، فضلاً عن ضعف سيولة البنوك، ما يحدّ من قدرتها على تمويل الاقتصاد، إلى جانب ارتفاع تكاليف طباعة وتداول الأوراق النقدية”.
وأردف جدري بأن “التوجه الحالي، كما أشار إليه بنك المغرب، يسير نحو تقليص الاعتماد على النقد”، داعياً إلى “تشجيع فتح الحسابات البنكية وتعزيز الأداء عبر الهاتف النقال”، ومستشهداً بتجارب دول إفريقية مثل كينيا، “التي حققت ريادة في هذا المجال، خاصة في المناطق القروية”؛ كما أبرز أن “تقليص استعمال النقد من شأنه دعم تنافسية المقاولات المهيكلة والحد من هيمنة الاقتصاد غير المهيكل”.
المصدر:
هسبريس