في تشريح أكاديمي للحرب في الشرق الأوسط شدد الأكاديمي المغربي إدريس لكريني على أن “اختلالات النظام الدولي التقليدي لتسوية المنازعات وتدبير الأزمات، سواء على المستوى المؤسساتي أو القانوني، ولا سيّما كونه فضفاضا وغامضاً، هي ما أتاح لأمريكا وإسرائيل التسلّح بمفهوم الضربات الاستباقية، الغائب عن القانون الدولي”، مبرزاً أن “العرب يعيشون اليوم محطات قاسية تستدعي التكتل واستغلال الإمكانات”.
وقال لكريني أمس الاثنين، خلال لقاء عن بعد نظمّه مركز الدراسات والأبحاث الإنسانية (مدى)، حول “عالم في طور التحول..قراءة في التوازنات الدولية الجديدة”، إن ما وصفها بـ”الإشكالات والاختلالات الحالية على الصعيد الدولي، التي يعرفها النظام الدولي لتسوية أو لتدبير الأزمات”، “طبيعي أن تكون حاضرة، لأنه لم يتم تطوير هذه المنظومة انسجاماً مع الواقع الدولي”.
وقبل حرب إيران، يضيف مدير مختبر الدراسات الدستورية وتحليل الأزمات بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية التابعة لجامعة القاضي عياض بمراكش، “فرضت جائحة كورونا واقعا يتجاوز ما فرضته الحروب؛ كما أن الذكاء الاصطناعي والحروب الرقمية واستعمال المسيرات والصواريخ الذكية كلها أمور باتت تتجاوز القانون الدولي التقليدي والإنساني، وتجعلنا أمام منظومة قانونية غير مواكبة”.
ووضّح المتحدث ذاته أن مجموعة من المفاهيم الواردة في مقتضيات ميثاق الأمم المتحدة “غامضة”، مشيرا إلى “السلم والأمن الدوليين”، اللذين “يبدو أن الميثاق يربطهما بالتهديدات العسكرية، بينما ثمّة تهديدات سيبرانية وجماعات مسلحة وإرهابية وأوبئة ومخاطر صحية عابرة للحدود، كلها تعتبر في حكم التهديد للسلم والأمن الدوليين”.
كذلك ذكر الأكاديمي نفسه “حق الدفاع الشرعي” في إطار المادة 51 من الميثاق نفسه، وعن الحرب في الشرق الأوسط لفت لكريني الانتباه إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل “تسلحتا” بمفهوم غير موجود في القانون الدولي هو “الضربات الاستباقية”، في مواجهة طموحات إيران النووية، التي تقول إن أغراضها سلمية، وزاد: “الولايات المتحدة وإسرائيل يعتبران أن ما تقوم به إيران عمل يهدد مصالحهما وأمنهما، ولذلك يجريان ما يصفانها بالضربات الاستباقية، وهو مفهوم غير موجود في القانون الدولي”.
وفي هذا الصدد يرى المحلل نفسه أن “هذه الدول صارت تُقوِّل القانون الدولي ما لم يقله، وتبرر سلوكياتها انطلاقاً منه؛ لأنه فضفاض ويتضمّن مجموعة من البنود غير الواضحة، التي يستند إلى طروحات مختلفة في تفسيرها”، بتعبيره.
وعن موقع الدول العربية مما يجري شدد الأكاديمي المغربي على رفض ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضد إيران، “لأنه خرق للقانون الدولي”، وتابع مستدركا: “لكن استهداف إيران دول المنطقة العربية أيضاً يعتبر غير مشروع، خصوصاً أن عدداً من هذه الدول كانت تبذل جهوداً للحيلولة دون أي عمل عسكري ضد الجمهورية الإسلامية”، وواصل بأن “إيران تهدف من وراء سلوكياتها تجاه الدول العربية في هذه الحرب إلى توسيع دائرة المواجهة من أن أجل خلق عوامل الضغط”.
واستحضر لكريني السياق الكامل للوضعية العربية الحالية، فأورد أن “بعض القوى الإقليمية، أساساً إسرائيل وتركيا وإيران، تستغل الضعف الذي يعتري الجامعة العربية”، مردفا: “إيران قامت أيضا بعدة أمور (انتهاكات) في المنطقة، أساساً سوريا واليمن ولبنان؛ هذا الأخير حيث بات حزب الله (أحد وكلاء إيران بالمنطقة) يمارس منطق الدولة داخل الدولة”.
كما لفت المتحدث إلى وجود عدة خلافات تشوب العلاقات البينية، “كالعلاقات المغربية – الجزائرية، والعلاقات المصرية – السودانية؛ فضلاً عن المشاكل في الشرق الأوسط”، وخلص إلى أنه “لذلك تحتاج الدول العربية أن تستفيد من المحطات القاسية التي تعيشها، فتعمد إلى حسن استثمار الإمكانات الإستراتيجية التي تتوفّر عليها، ولا سيّما المعابر كمضيق هرمز ومضيق جبل طارق وقناة السويس، فضلاً عن تقوية التكتل العربي”.
المصدر:
هسبريس