كشف التقرير السنوي لمنتدى أنوال للتنمية والمواطنة حول وضعية حقوق الإنسان بجهة الشرق خلال سنة 2025 عن استمرار عدد من التحديات المرتبطة بالحق في التعليم والحقوق اللغوية والثقافية الأمازيغية، مسجلا مؤشرات تدل على محدودية تفعيل بعض الالتزامات الدستورية والقانونية المرتبطة بهذين المجالين.
وأشار التقرير الذي تتوفر عليه جريدة “العمق المغربي”، إلى أن الحق في التعليم يعد من الحقوق الأساسية التي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، خاصة في مادته السادسة والعشرين التي تؤكد أن لكل شخص الحق في التعليم، وأن التعليم في مراحله الأولى والأساسية يجب أن يكون مجانيا وإلزاميا.
كما أشار إلى أن العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يقر في مادته الثالثة عشرة بهذا الحق، من خلال إلزامية ومجانية التعليم الابتدائي وتطوير التعليم الثانوي وجعله متاحاً للجميع.
وفي السياق ذاته، أشار التقرير إلى أن اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989 أكدت بدورها على حق الطفل في التعليم، من خلال إلزام الدول الأطراف بالاعتراف بهذا الحق وجعل التعليم الابتدائي إلزامياً ومتاحا بالمجان. كما أشار إلى أن الدستور المغربي نص بدوره على الحق في التعليم، إذ يؤكد الفصل 31 منه أنه حق مكفول لجميع المواطنات والمواطنين.
وأضاف التقرير أن الفصل 32 من الدستور ينص على أن التعليم الأساسي حق للطفل وواجب على الأسرة والدولة، بينما يشير الفصل 33 إلى التزام السلطات العمومية بمساعدة الشباب الذين يواجهون صعوبات في التكيف المدرسي أو الاجتماعي أو المهني، وتيسير ولوجهم إلى الثقافة والعلم والتكنولوجيا والفن والرياضة، وهو ما أكد عليه أيضا القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، من خلال التنصيص على مبادئ الإنصاف والجودة وإلزامية التعليم إلى غاية سن السادسة عشرة.
مؤشرات تعليمية تبرز استمرار التحديات
وعلى مستوى تفعيل هذه الالتزامات المرتبطة بالحق في التعليم، كشف التقرير أنه رغم الجهود المبذولة لتعميم تمدرس الأطفال وتقليص نسبة الأمية، فإن المؤشرات المتعلقة بالتعليم بجهة الشرق ما تزال متدنية مقارنة مع بعض الجهات الأخرى.
وفي هذا الصدد، أشار إلى أن نسبة السكان الذين لا يتوفرون على أي مستوى دراسي تتجاوز 36.3 في المائة بجهة الشرق، بينما ترتفع هذه النسبة إلى أكثر من 43 في المائة بإقليم الدريوش.
كما تصل إلى 47.20 في المائة في الوسط القروي و52.10 في المائة في صفوف النساء، وفق معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط، وهو ما يجعل جهة الشرق ضمن الجهات التي تسجل نسبا مرتفعة من الأمية.
وأشار التقرير أيضا إلى أنه رغم تعزيز العرض المدرسي خلال سنة 2025 بإحداث 15 منشأة تربوية جديدة، ليبلغ العدد الإجمالي للمؤسسات التعليمية بالجهة 1015 مؤسسة، منها 697 في السلك الابتدائي و190 في السلك الثانوي الإعدادي و128 في السلك الثانوي التأهيلي، فإن ظاهرة الهدر المدرسي ما تزال قائمة.
وفي هذا السياق، كشف أن نسبة الانقطاع عن الدراسة المسجلة لدى الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة الشرق بلغت سنة 2025 حوالي 2 في المائة، وهي نسبة تتجاوز المعدل الوطني المحدد في 1.35 في المائة.
ولفت إلى أن أسباب هذا الانقطاع ترتبط بعوامل من بينها الفقر والهشاشة الاجتماعية ونقص البنية التحتية وبعد المؤسسات التعليمية، خاصة في المناطق القروية ببعض أقاليم الجهة.
فوارق تعليمية واختلالات في توزيع الموارد البشرية
وأشار التقرير إلى أنه رغم الجهود المبذولة لتحسين جودة وجاذبية التعليم العمومي، فإن التعليم الخصوصي ما يزال يستقطب أعدادا متزايدة من التلاميذ، خاصة من أبناء الفئات الميسورة، وهو ما يكرس الفوارق الاجتماعية في الولوج إلى تعليم ذي جودة، ويطرح تساؤلات حول مبدأ تكافؤ الفرص ومجانية التعليم.
ك
ما كشف التقرير عن اختلالات مرتبطة بتوزيع الأطر التربوية، حيث يتمركز عدد كبير من الأساتذة ذوي الخبرة في المدن، بينما يتم تعيين الأساتذة الجدد غالباً في الوسط القروي والمناطق النائية، الأمر الذي يؤثر على جودة التأطير التربوي في هذه المناطق.
وأشار التقرير في هذا الإطار إلى أن نسبة الأساتذة المتعاقدين الذين تم تعيينهم خلال السنوات الأخيرة بإقليم الدريوش تتجاوز 80 في المائة من مجموع الأساتذة العاملين بالمؤسسات التعليمية بالإقليم.
وأوضح أن هؤلاء الأساتذة الجدد لم يلجوا في كثير من الحالات مسارات التكوين المعتادة، وهو ما يؤثر على جودة مخرجات التعليم وعلى مردودية التعلم، كما ينعكس على مبدأ تكافؤ الفرص بين تلاميذ المدن الكبرى والمناطق القروية.
الحقوق اللغوية والثقافية الأمازيغية بين النص والتطبيق
وفي ما يتعلق بالحقوق اللغوية والثقافية الأمازيغية، أشار التقرير إلى أن هذه الحقوق تعد جزءا أساسيا من منظومة حقوق الإنسان، وتشمل حق الأفراد والجماعات في حماية هويتهم الثقافية والمشاركة في الحياة الثقافية والتعبير الفني والعلمي.
وأوضح التقرير أن المادة 27 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تؤكد حق كل شخص في المشاركة في الحياة الثقافية، بينما ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مادته الخامسة عشرة على الحق في المشاركة في الحياة الثقافية، مع دعوة الدول إلى اتخاذ تدابير إيجابية لضمان هذا الحق دون تمييز.
كما أشار التقرير إلى أن اتفاقية اليونسكو لحماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي تؤكد التزام الدول بدعم التعدد اللغوي، في حين يعزز إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية حق هذه الشعوب في صون لغاتها وهويتها الثقافية والمشاركة في القرارات التي تمسها.
وأشار التقرير إلى أن دستور 2011 شكل تحولاً مهماً في هذا المجال من خلال التنصيص في الفصل الخامس على رسمية اللغة الأمازيغية إلى جانب اللغة العربية باعتبارها رصيداً مشتركاً لجميع المغاربة، كما تم اعتماد القانون التنظيمي رقم 26.16 سنة 2019 لتحديد مراحل وكيفيات تفعيل هذا الطابع الرسمي، بما يشمل إدماج الأمازيغية في التعليم والإدارة والإعلام والعدالة ومختلف مجالات الحياة العامة ذات الأولوية.
اختلالات في إدماج الأمازيغية في القطاعات الحيوية
وعلى مستوى الممارسة، كشف التقرير من خلال معطيات الرصد الميداني عن استمرار الفجوة بين المقتضيات الدستورية والتنظيمية وبين واقع إدماج اللغة الأمازيغية في عدد من المجالات بجهة الشرق.
وأشار التقرير إلى أن تدريس اللغة الأمازيغية ما يزال يعرف اختلالات مرتبطة بعدم التعميم ونقص الأطر التربوية المتخصصة، حيث يتم تدريسها في عدد محدود من المؤسسات التعليمية الابتدائية، بينما تغيب عن مؤسسات الريادة ومدارس التعليم الخصوصي، وكذلك عن التعليم الإعدادي والثانوي.
وفي مجال الإعلام، أشار التقرير إلى غياب اللغة الأمازيغية عن برامج الإعلام الجهوي العمومي المسموع، وخاصة بإذاعة وجدة الجهوية، كما تغيب عن عدد من المنابر الإلكترونية المستفيدة من الدعم العمومي، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى إدماج معايير التعدد اللغوي ضمن شروط الاستفادة من التمويل العمومي.
كما كشف التقرير أن حضور اللغة الأمازيغية في الإدارة والمرافق العمومية لا يزال محدودا، سواء على مستوى الوثائق الإدارية أو التواصل مع المرتفقين، مشيراً إلى غياب مخططات قطاعية واضحة ومعلنة لتنزيل مقتضيات القانون التنظيمي على المستوى الترابي.
وأشار التقرير كذلك إلى أن استعمال اللغة الأمازيغية أمام القضاء ما يزال محدودا، حيث يتم في بعض الحالات عبر الترجمة من طرف أعوان غير مختصين ودون تأطير مؤسساتي وقانوني واضح، رغم أن ضمان المحاكمة العادلة ومبدأ المساواة أمام القضاء يقتضيان توفير شروط التواصل الفعال بين المتقاضين وهيئة الحكم.
توصيات لتعزيز الحق في التعليم وتفعيل الحقوق اللغوية
وفي ختام التقرير، قدم منتدى أنوال للتنمية والمواطنة مجموعة من التوصيات الرامية إلى تعزيز الحق في التعليم وتفعيل الحقوق اللغوية والثقافية الأمازيغية بجهة الشرق.
وأشار التقرير إلى ضرورة تعميم تدريس اللغة الأمازيغية في مختلف الأسلاك التعليمية بشكل إلزامي، مع ضمان استمرارية البرامج وتعزيز التكوين الأساس والمستمر للأطر التربوية وتوفير الموارد البيداغوجية الكافية، إضافة إلى إدماجها في مسالك التكوين الجامعي ذات الصلة.
كما دعا التقرير إلى تعميم الاستعمال الإداري للغتين الرسميتين في الوثائق والخدمات العمومية والرقمية، مع تكوين الموظفين على استعمال اللغة الأمازيغية، وتمكين المتقاضين من استعمالها أمام القضاء عبر ملاءمة النصوص الإجرائية وتأهيل الموارد البشرية القضائية.
وأشار التقرير كذلك إلى ضرورة إدماج اللغة الأمازيغية بشكل فعلي في الإعلام العمومي والخاص عبر الرفع من نسبة البرامج المنتجة بها وربط الدعم العمومي باحترام التعدد اللغوي المنصوص عليه دستورياً.
كما أوصى التقرير بتسريع التنزيل الجهوي لمقتضيات القانون التنظيمي 26.16 من خلال إعداد مخططات عمل واضحة بجدولة زمنية معلنة وتخصيص اعتمادات مالية كافية، إلى جانب اعتماد مقاربة تشاركية في تتبع وتقييم السياسات اللغوية عبر إشراك المجتمع المدني والخبراء والأكاديميين، مع نشر معطيات شفافة حول حصيلة التفعيل وأثرها على المواطنين.
المصدر:
العمق