آخر الأخبار

جورج أورويل من جديد .. كيف تُعاد تشكيل الحقيقة في السياسة العالمية؟

شارك

“الحرب هي السلام، والحرية هي العبودية، والجهل هو القوة”، مبادئ أو شعارات أو مفارقات، لنسميها كما نريد تستدعي استحضارها للنظر في الكيفيات التي يُجدد بها العقل وسائله لارتكاب ما سماه جورج أورويل في رواية “1984” ب”الجريمة بواسطة الفكر”؟

ولعل العودة إلى جورج أورويل، في الشهور الأخيرة، تكشف عن الحاجة إلى الانتباه إلى مختلف أساليب التضليل والخداع التي تتعرض له العقول والأذهان والأنفس من طرف وكلاء تحركهم برامج سياسية، ويستنيرون بخوارزميات جبارة تمتلك قدرات لا محدودة على التشويش على الفهم أو تعبئة النظر النقدي.

لقد تعرضت رواية جورج أورويل “1984” لتأويلات متناقضة ومن كل الاتجاهات السياسية والإيديولوجية؛ ويعود إليها البعض باستمرار كلما حصلت مواجهات بين قوى متنفذة، أو اشتعلت حربا مدمرة، أو عاشت جهات من العالم أحداثا تراجيدية يقترفها من يرى في نفسه أنه يتوفر على القوة والغلبة من أجل السيطرة. ويبدو لي أن ما نعيشه اليوم من انقلابات كبرى وما يواكبه العالم من جرائم حرب وإبادة بشكل مباشر، يدعونا إلى استحضار قصة “الجريمة بواسطة الفكر”. فالعالم الذي تقدمه رواية 1984، عبارة عن ديكتاتورية عالمية خاصة تتحارب فيها ثلاث دول عظمى (أوقاينيا، أوراسيا، إستازيا). وعلى عكس الأنظمة الديكتاتورية، كما شهدها التاريخ المعاصر، لا شيء فيها له طابع غير شرعي لسبب رئيس هو الغياب المطلق للقوانين، واستبداد “الأخ الأكبر” Big Brother بشؤون الحكم، وحرصه التام على منع اقتراف “جريمة باسم الفكر”، التي هي جريمة تشمل الجرائم الأخرى كافة.

ينقسم مجتمع أوقيانيا، وهي الدولة التي تجري فيها الأحداث، إلى ثلاث طبقات: طبقة “الحزب الداخلي”، وتتكون من النخبة الأصغر والأقوى، وطبقة “الحزب الخارجي”، ثم طبقة “العامة” وهي الشريحة الأكبر بمقدار ما هي مُستبْعَدة هي مُستعْبَدة بحكم كونها لا حقوق لها. ويتحكم في هذا المجتمع “الأخ الأكبر” باعتباره الفاعل الذي يستبد بكل شيء؛ يرأس الحزب الحاكم، ويراقب كل ما يجري في المجتمع.

تتكون حكومته من أربع وزارات: “وزارة الحقيقة”، وهي التي تمارس الرقابة على الأفكار والمعلومات والتعليم والفنون، وتحرص على مطابقة ما يروج لأفكار “الأخ الأكبر”؛ و”وزارة الحُب”، التي تُعنىَ برصد المخالفات التي لا تتوافق مع مبادئ الحزب وتوجهاته، وتخضِع المخالفين، بالعنف والإكراه والتجويع، لأفكار الحزب وتفرض عليهم الجهر بحبهم ل”الأخ الأكبر”؛ ثم “وزارة السلام” التي تتكفل بشؤون الحرب التي تخوضها أوقيانيا ضد أوراسيا وتتحالف فيها مع “إستازيا”، حيث تستطيع أوقيانيا تغيير تحالفاتها من دون تذكُّر من حاربت ومع من تحالفت. وأخيرا “وزارة الوفرة” التي تتحكم في الإنتاج ووسائل التغذية وطرق الاستهلاك، وتُصدر تقارير زائفة تؤكد فيها على ارتفاع الإنتاج ومستوى المعيشة، وتعتمد في عملية التواصل على وزارة الحقيقة لتمرير ادعاءاتها .

ومن المطلوب أن يخضع الجميع لهذه السياسة والانضباط الصارم لتعاليم “الأخ الأكبر”؛ لكن شخصية “ويستون سميث” في الرواية تجد نفسها عاجزة عن عدم قدرتها على تجنب اقتراف “الجريمة بواسطة الفكر” بحكم اشتغاله بوزارة الحقيقة، وبالضبط في مصلحة الوثائق التي يقوم فيها بإعادة كتابة الصحف والوثائق الرسمية لجعلها متطابقة مع الرواية التاريخية التي يفرضها “الأخ الأكبر” والحزب؛ علما أن الرواية الرسمية لهذه الهيئة تتغير من دون توقف وأن الشخصيات العمومية، ومنهم أعضاء الحزب، يختفون بشكل مفاجئ ليس لأنهم قُتلوا وإنما لأنهم، بكل بساطة، لم يوجدوا يومًا. ومع ذلك فويستون سميث مطالب بإعادة كتابة كل الوثائق والخطب وصحف الماضي لمسح كل أثر لوجودهم، لأن هؤلاء الأشخاص الذين تبخروا والذين أصبحوا “كائنات منعدمة”، كما تقول الرواية، اقترفوا الجريمة المطلقة بواسطة الفكر.

ويروي أورويل أن هذه الجريمة تُرتكب حين يكون المرء عاجزا عن القيام ب”الفكر المزدوج” الذي يعني القدرة المطلوبة من طرف الحزب للمحافظة الذاتية على فكرتين متناقضتين والتسليم بهما معا، والاعتقاد أن دولة “أوقيانيا”، مثلا، كانت دائما في حالة حرب مع “أوراسيا” مع العلم أنها كانت متحالفة معها بالأمس، أو إذا أعلن الحزب عن أن 5=2+2 صحيحة والاستمرار في الحساب على أساس التسليم ب 4=2+2. ويصير الفكر المزدوج تمرينا فكريا دائما وليس عبارة عن نفاق بسيط، أو تربية واعية وغير واعية في آن، لأنه يخلق تصدعا وانقساما داخل الشخص ما دام يغير علاقته بالواقع.

يتعلق الأمر بأن يعرف المرء وأن لا يعرف في الآن نفسه، وبحسن نية مطلقة، ويجهر بأكاذيب تتميز بتناسق بالغ الدقة مع الحفاظ على رأيين يلغي الواحد الآخر، ويعرف أنهما متناقضان ويسلم بهما في الآن نفسه. أي أنه مطالب باستعمال المنطق ضد المنطق، والتنصل من الأخلاق في الوقت الذي يدعي الالتزام بها. كأن يعلن بأن الديمقراطية مستحيلة ولكن الحزب هو حارسها في الوقت نفسه، ونسيان كل ما يجب نسيانه ثم استحضاره عند الحاجة لنسيانه بسرعة أكبر. وهنا يتجلى الذكاء الأقصى، علما أن “الفكر المزدوج” لا علاقة له ب”التنافر الذهني” Dissonance cognitive لأن هذا النمط من الفكر هدفه قبول التناقض من دون الاهتمام بالقلق الذي ينجم عنه.

ولتوضيح بعض مظاهر هذا “الفكر المزدوج” يمكن التوقف عند بلاغة الإشهار التي تستعمل بعض شركات العالم الرقمي، اليوم. فشركة آبل، على سبيل المثال، كتبت في إحدى إشهاراتها “تلفون آي فون يحمي حياتكم الخاصة”، وأطلقتها للعموم على نطاق واسع، مع أن مسؤوليها يعرفون أن الهاتف يسجل المعطيات المرتبطة بالحياة الخاصة لمستعمليه باستمرار. ولكن عندما رفعت دعوة على الشركة ومقاضاتها من طرف أحد المشتركين، اعترفت أنها استمعت لمكالمات الزبناء ولأحاديثهم الحميمية، وقدمت اعتذارا ملتبسًا.

من ناحية أخرى يعتبر الكثير من السياسيين والمراقبين أن الرئيس دونالد ثرامب رجل أبْله، غير منضبط، ومُتعنت، لكن السؤال هو: كيف لرجل بهذه المواصفات أن يصير رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية مرتين، وهو منصب من أعقد المواقع في العالم، لأن الوصول إليه يتعين بذل كثير من الجهد ورسم استراتيجية مُحكمة لتحضير كتلة بشرية من الناحية الذهنية والوجدانية مستعدة لتلقف خطاباته وأكاذيبه إذا لم يكن يستعمل سردية مهما كانت فقيرة في قاموسها وكاذبة في حديثها عن الواقع. وتكشف الحرب الحالية التي يخوضها من أجل إسرائيل أنه لا يكف يصرح بخبر في الصباح ثم لا ينفك ينفيه بعد الظهر، ومن دون إحراج أو شعور بتناقض القول.

يُبين جورج أورويل أن “الفكر المزدوج” يُبنَى على “لغة جديدة” Novlangue، توضع لتعويض اللغة العادية لجعل “الفكر المزدوج” عملية مسلم بها وأوتوماتيكية، ينطق به الناس من دون مجهود، خصوصا وأن الحزب لا يمنعهم من التعبير عن أفكار مخالفة، لأنهم ببساطة ليسوا مطالبين أن تكون لهم أفكار أو امتلاكها، و”شرطة الفكر” موجودة في كل مكان للمراقبة. ومن يجد نفسه خارج الحزب يصير عاجزا عن أن تكون له أفكارا مخالفة، طالما أن وسيلة السيطرة لا تكون بالقمع أو التعذيب، وإنما بالتحكم في البنية الذهنية للمرء. لذلك لا يتمثل “الفكر المزدوج” في إرغام الفرد على الكذب، وإنما في جعله قادرا على تصديقه.

تعتبر رواية 1984، التي كان أورويل قد وضع لها عنوان “الرجل الأخير في أوروبا” في الأصل، أنها تنتمي إلى الأدب “الديستوبي” Dystopique الخيالي الذي يقدم عالما مُرعبًا تهتز فيه القيم والعقائد والأعراف، وتقلب فيه الحقائق، تتحكم فيه أقلية يرأسها “أخ أكبر” يحرص على الالتزام المطلق بقواعد “الفكر المزدوج” الذي يُلزم الناس بالتسليم بالأكاذيب، وتحريم العِلم، والنظر إلى الواقع بمنظار توجيهات الحزب باستعمال “لغة جديدة” يقرر قاموسها، ومعانيها، وطريقة استعمالها. والظاهر أن هذه الرواية بمقدار ما يستعملها الفاعلون الحقوقيون لكشف أسالب التسلط والتحكم والتضليل، تستفيد منها الجهات التي تسعى إلى الاستيلاء على السلطة والسيطرة على مقدرات البلدان، وتزييف الواقع.

وعلى الرغم من البعد الخيالي لهذه الرواية، فإن العديد من المثقفين والسياسيين والفنانين استلهموا بعض مكوناتها لفهم أنماط الأنظمة الشمولية والانحرافات التسلطية، كما هي جارية اليوم في العديد من البلدان الديمقراطية وفي طليعتها الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس ثرامب، وفي بعض البلدان الأوروبية التي حدَّت من حرية التعبير، وسيطرت على قنوات تواصلها لغة فقيرة ومطبوخة بدقة، واستولت على إعلامها وسياسييها أجندات وسرديات دول أجنبية، وعلى رأسها الأكاذيب التي تعبئها إسرائيل لتبرير سياسات إبادة الشعب الفلسطيني منذ عقود، وبشكل فاضح طيلة الثلاث سنوات الأخيرة، ويجهر حكامها المتطرفون وبلغة دينية واضحة بفرض مشروع إسرائيل الكبرى على حساب شعوب المنطقة بأكملها، بالقوة والقتل.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا