أكدت قراءات قانونية في قانون المسطرة الجنائية الجديد، السبت، أن هذه الوثيقة تحيط اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي “بضوابط صارمة”، لا سيما من خلال “التنصيص على إلزامية تعليل هذا القرار، مع تقليص مدته لتصبح شهرا واحدا قابلة للتمديد مرة واحدة فقط، بعدما كان القانون القديم يتيح تمديده لمرتين، بما يرفع المدة”.
كما أبرزت هذه القراءات المقدّمة، خلال ندوة وطنية عن بُعد نظمها المكتب التنفيذي لودادية موظفي قطاع العدل لتشريح “قانون المسطرة الجنائية في ضوء القانون رقم 03.23.. مستجدات ورهانات”، أن هذا النص القانوني، الذي دخل حيز التنفيذ بتاريخ 8 دجنبر الماضي، “عزز استقلالية كتّاب الضبط وأدوار المساعدين الاجتماعيين؛ لكنه أهمل تمكين هذه الفئة من الصفة الضبطية، بما يلاءم مهامها القانونية”.
محمد برهان الدين، أستاذ بجامعة القاضي عياض بمراكش، قال إن “قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23 جاء ليعزز التوجه نحو عقلنة الاعتقال الاحتياطي وترشيده، وجعله إجراء استثنائية لا ممارسة اعتيادية، لتحقق التوازن بين ضرورات البحث الزجري وحماية حقوق الإنسان”.
وأبرز برهان الدين، في مداخلته، أن “من مظاهر عقلنة الاعتقال الاحتياطي في قانون المسطرة الجنائية الجديد تعزيز المشرع الدور أو الطابع الاستثنائي للاعتقال الاحتياطي، حيث أكد بصريح العبارة أن هذا الإجراء لا يلجأ إليه إلا عند تعذر تطبيق بدائل أخرى”، مفيدا بأن “هذه البدائل تشمل المراقبة القضائية والمراقبة الإلكترونية”.
ولفت المتدخل عينه إلى أن المشرع أعطى للنيابة العامة كما لقاضي التحقيق إمكانية وضع الشخص تحت المراقبة القضائية، وفقا لأحكام المادة 161 من قانون المسطرة الجنائية.
كما وقف الأستاذ الجامعي عند “مستجد إلزامية التعليل، حيث إن الأمر الذي تتخذه النيابة العامة أو قاضي التحقيق -خاصة فيما يتعلق بإيداع المتهم بالسجن- يجب أن يكون معللا، على اعتبار أنه إجراء يحد من حرية الشخص ويقيدها”، مشيرا إلى أن “هذا يتنافى مع الأحكام المشبعة بها قانون المسطرة الجنائية والمتعلقة بثقافة حقوق الإنسان”.
وتطرّق برهان الدين، كذلك، إلى “تقليص الآجال وتشديد الرقابة، حيث إن المشرع المغربي في قانون المسطرة الجنائية القديم حدد مدة الاعتقال الاحتياطي في الجنح وأخضعها لشهر قابل للتمديد لمرتين وللمدة نفسها، فنصبح آنذاك نتحدث عن ثلاثة أشهر”؛ في حين أنه “في قانون المسطرة الجنائية الجديد تم تقليص هذه الآجال، لتحدد من خلال المادة 176 مدة الاعتقال في الجنح في شهر واحد قابلة للتمديد لمرة واحدة، وألزم قاضي التحقيق في هذه الحالة بأن يعلل قراره القاضي بتمديد مدة الاعتقال الاحتياطي”.
خالد بخلا، عضو المكتب التنفيذي لودادية موظفي قطاع العدل، أكدّ قانون المسطرة الجنائية الجديد كرّس استقلالية كاتب الضبط عن قاضي التحقيق، وأن “المشرع المغربي أعطى العقوبة التأديبيبة للمساعد الاجتماعي عند عدم التزامه بكتمان السر المهني؛ لكن لم يمكنه من الصفة الضبطية التي من خلالها يضطلع بالمهام المنوطة به، وهي بطبيعة الحال قضائية 100 في المائة”.
ووضّح بخلا، خلال مداخلته ضمن الندوة نفسها، أن “من بين ما يزكي هذا الطرح تنصيص القانون في المادة 87 من الباب المتعلق بالقاضي المكلف بالتحقيق على إمكانية إجراء بحث حول المتهم وحالته العائلية والاجتماعية كلما تعلق الأمر بتحقيق في جناية أو جنحة جنائية، وله في هذا الباب أن يعهد بهذا البحث إما لضابط للشرطة القضائية أو لمكتب المساعدة الاجتماعية بالمحكمة أو أي شخص”، أي “إطار من أطر هيئة كتابة الضبط داخل المحكمة أو مؤسسة مؤهلة للقيام بذلك”.
وتابع عضو المكتب التنفيذي لودادية موظفي قطاع العدل: “بطبيعة الحال، هنا يستعين قاضي التحقيق بهؤلاء للقيام بالمهام القضائية المذكورة؛ مما يعني أن إمكانية انتداب أطر هيئة كتابة الضبط للقيام بهذه الأبحاث جائزة وممكنة، الشيء الذي يعطيهم صفة تحرير المحاضر والتقارير ذات الصلة بالموضوع، لما لهم من خبرة في المجال القانوني والمؤهلات العلمية الضرورية للقيام بذلك”.
وزاد المتدخل عينه: “هذا الأمر يؤكد ضرورة منح أطر هيئة كتابة الضبط الصفة الضبطية للقيام بهذا الإجراء، خاصة أن هذه الأبحاث تكون مصيرية في تكوين قناعة القاضي”.
كما استحضر مجموعة من مواد قانون المسطرة الجنائية الجديد، “التي أقرّت أدوارا كبيرة ومهمة للمساعد الاجتماعي في تحقيق العدالة الجنائية، وكذلك في تكوين القناعة القضائية”.
وشدد بخلا على أن “ذلك لللأسف لم يصحبه توفير المشرع المغربي للمساعد الاجتماعي الوسائل اللوجيستكية والتقنية للقيام بهذه الأمور؛ ما يستدعي ضرورة الاستدراك”.
المصدر:
هسبريس