تعززت المكتبة المغربية، خاصة في رفّ المؤلفات المتخصصة في الشؤون المالية، بمؤلفٍ جديد صدر حديثاً، عن “إصلاح الجبايات المحلية في المغرب”، لكاتبه عبد العالي اجناح، أستاذ المالية العامة والجبايات بجامعة السلطان مولاي سليمان- بني ملال.
هذه “الطبعة الثانية” من هذا الكتاب جاءت “مُحيَّنة في ضوء القانون رقم 07.20 والقانون رقم 14.25 اللذين يغيّران ويتمّمان القانون رقم 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات الترابية”؛ فيما صدرت عن الناشر “مكتبة دار السلام” بالرباط، باللغة الفرنسية، (La réforme de la fiscalité locale au Maroc)، بعد طبعةٍ أولى صدرت عام 2017.
وكتبَ اجناح، ضمن ملخص للكتاب توصلت به هسبريس، أنه “رغم البحث الدؤوب عن الحلول عبر التطور التاريخي للجبايات المحلية في المغرب فإن الواقع يُظهر استمرار المشاكل المرتبطة بالجبايات المحلية؛ وهو ما يستلزم تفكيراً في ضرورة إصلاح الهندسة الجبائية للجماعات الترابية، بهدف تحقيق تمويل متوازن للمجالات الترابية”.
وفي هذا السياق يُعد إصلاح الجبايات المحلية في المغرب، اليوم، “أكثر حسماً مما كان عليه في الماضي، إذ تُعتبر الجبايات المحلية القوية أمراً لا غنى عنه للجماعات الترابية التي يتسع مجال عملها بمرور الوقت”.
وشدد الأستاذ المتخصص في المالية العامة والجبايات على أن “مِثل هذا الإصلاح رهينٌ بالتقييم الدوري للأثر السوسيو-اقتصادي المباشر وغير المباشر للتدابير الجبائية المنصوص عليها في التشريع الجاري به العمل، وفي هذا الصدد يجب على السلطات العمومية السهر على إرساء مرصد للجبايات”.
وتوخى المؤلَّف ذاته، الواقع في 225 صفحة، “تسليط الضوء على الأسباب الكامنة وراء استمرار المشاكل المتعلقة بالجبايات المحلية (الضرائب والرسوم المحلية) في المغرب، رغم السعي المتواصل إلى إيجاد حلول لها طوال مسارها التاريخي”؛ كما يسعى إلى “رسم سيناريوهات إصلاح متماسكة ترتبط نتائجها الإيجابية بمدى سقف الطموح الذي تتبناه”.
ينطلق الكتاب من ملاحظة أساسية مفادها أن الجبايات المحلية في المغرب، رغم التطور التاريخي والبحث المستمر عن حلول، مازالت تعاني من مشاكل/عوائق بنيوية مزمنة، راسماً الإشكالية الكبرى في مثلث: “التعقيد، ضعف المردودية، وعدم التوازن المجالي في توزيع الموارد بين الجماعات الترابية”.
وبحسب ما طالعته هسبريس يشير المؤلف إلى أن الإصلاحات المتتالية، وصولاً إلى القانون 47-06، “لم تنجح تماماً في الاستجابة لتحديات التنمية المحلية”، مردفا بأن التعديلات الأخيرة (القانونان 07-20 و14-25) “جاءت بناءً على توصيات المناظرة الوطنية الثالثة للجبايات عام 2019 لمحاولة تدارك هذه النواقص”.
ويرى الكاتب أن “جميع محاولات الإصلاح تصطدم بعقبتَين رئيسيتين ترتبطان بطبيعة الضريبة المحلية: عجز المادة الخاضعة للضريبة: أي ضيق الوعاء الضريبي المحلي؛ ثم نمطية الجبايات: غياب التنوع والخصوصية في النظام الضريبي المحلي”.
كما يطرح المؤلف عينه إشكالية “تضارب المصالح”، إذ ثمة صراع دائم بين الدولة (الراغبة في خفض التكاليف) والجماعات الترابية (الباحثة عن زيادة الموارد)، والملزَمين الساعين إلى خفض “العبء الضريبي”، سواء كانوا مواطنين أو مقاولات.
وهذا التضارب من أبرز ما يجعل النظام الجبائي المحلي في المغرب “قائماً على توازن هش وصعب التحقيق”.
يبسط المؤلف رؤية إصلاحية تنتظم في مسارين متكاملين؛ أولهما “تحديث الهندسة الجبائية”، وذلك من خلال تحسين مردودية الضرائب والرسوم المحلية عبر “توسيع الوعاء الضريبي وتثمين الأسس الضريبية” (قاعدة الأشخاص والأنشطة الخاضعة للضريبة).
كما أثار الانتباه إلى أهمية “عصرنة هياكل الإدارة الضريبية المحلية وتطوير آليات التحصيل والتنفيذ المالي”.
ويدعو الأستاذ عبد العالي اجناح في هذا المسار أيضا إلى “اعتماد إستراتيجيات تواصلية وتحسيسية لرفع مستوى الوعي الجبائي” بين الخاصعين للجبايات المحلية.
ثاني المسارات الإصلاحية المقترحة لإنجاح الجبايات المحلية تتمثل، حسب المؤلف، في “دعم ومواكبة الإصلاح”، ويقترح في هذا الإطار “تطوير آليات الموازنة المالية (Péréquation) لضمان توزيع عادل للموارد بين الجهات والجماعات”، وكذا “تقوية قدرات الموارد البشرية المؤهلة في مجال التدبير الضريبي”.
كما تطرق الإصدار نفسه إلى “مأسسة التقييم”. وجاءت الدعوة هنا صريحة من قبل الكاتب لإحداث “مرصد وطني للمالية المحلية” لمواكبة وقياس الأثر السوسيو-اقتصادي للتدابير المتخذة، مقترحا إحداث مرصد للمالية المحلية، على غرار الدول المتقدمة، لمراقبة وتقييم الوضع المالي باستمرار.
يخلص الكتاب إلى أن إصلاح الجبايات المحلية ليس مجرد إجراء تقني، بل هو سيرورة تتطلب تفكيراً وتطويرا مستمراً وتقييماً دورياً، مشددا على أن نجاح هذا الورش رهين بإيجاد توازن بين الفعالية المالية والعدالة الجبائية، بما يخدم استقلالية الجماعات الترابية ويعزز دورها التنموي.
المصدر:
هسبريس