في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في قراءةٍ تعيد رسم ملامح المسار السياسي للمملكة، يغوص وسيط المملكة، حسن طارق، في أعماق “الوطنية المغربية”، لا بوصفها معطى جامدا في كتب التاريخ، بل كصيرورة حية تشكلت عبر تقاطع الدين، والعرش، والوعي العربي.
وفي محاضرة داخل الحرم الجامعي حول موضوع الوطنية، يكشف طارق كيف استطاعت الحركة الوطنية “استنطاق الماضي” وتحويل رموز التراث العريق إلى دعائم صلبة لبناء “دولة المؤسسات” المعاصرة، مفككاً بذلك لغزاً طالما شغل المفكرين: كيف صار التاريخ المغربي هو المحرك الأساسي لشرعية الدولة الحديثة؟
وأكد وسيط المملكة حسن طارق ضمن المحاضرة التي نظمها ماستر الدراسات السياسية والمؤسساتية المعمقة بكلية الحقوق أكدال-الرباط، أن فهم المؤسسات والقانون في المغرب لا يمكن أن يتم بمعزل عن التاريخ، مشددا على أن دراسة الظواهر السياسية والقانونية تقتضي الانفتاح على مقاربات متعددة تتجاوز الحدود التقليدية بين التخصصات الأكاديمية.
ودعا وسيط المملكة الطلبة إلى الانفتاح على حقول معرفية مجاورة، خاصة التاريخ وعلم الاجتماع والفكر السياسي، معتبراً أن المقاربات المتقاطعة وحدها القادرة على تفكيك الظواهر المعقدة المرتبطة بالدولة والهوية.
الوطنية المغربية في ضوء التاريخ
وأوضح طارق أن تحليل مفهوم الوطنية المغربية يقتضي العودة إلى مسار تشكلها التاريخي، مبرزا أن هذا المفهوم لا يمكن فصله عن السياقات الفكرية والسياسية التي رافقت ظهوره. وأشار إلى أن الوطنية المغربية ليست معطى ثابتا، بل بناء تاريخي مركب تشكل عبر تفاعل عدة عناصر، من بينها الدولة والدين والتطورات السياسية والاجتماعية.
واستعرض في هذا السياق نقاشات عدد من المؤرخين والمفكرين حول جذور الشعور الوطني بالمغرب، موضحاً أن بعض الدراسات، ومن بينها أعمال المؤرخ جرمان عياش، ترى أن المغاربة عبروا عن شعور وطني مبكر منذ القرن الخامس عشر في مواجهة الغزو الإيبيري، وهو ما ساهم في تعزيز وحدة المجتمع.
في المقابل، يرى مفكرون آخرون، مثل محمد عابد الجابري، أن الهوية الوطنية المغربية تشكلت منذ قيام الدولة الإدريسية، بينما يربط مؤرخون آخرون بروز الوعي الوطني الحديث بتطورات القرن التاسع عشر وتأثير التوسع الاستعماري في المنطقة.
أما المفكر عبد الله العروي، فيميز بين مرحلة “ما قبل الوطنية” ومرحلة “الوطنية الحديثة”، معتبرا أن بعض المظاهر التاريخية مثل الجهاد أو الإصلاحات السياسية السابقة للحماية تمثل إرهاصات فقط، لكنها لا تندرج ضمن مفهوم الوطنية الحديثة كما تبلور في القرن العشرين.
ثلاث ركائز لبناء الوطنية
وأشار وسيط المملكة إلى أن الوطنية المغربية تشكلت تاريخيا على أساس ثلاثة عناصر رئيسية.أولها توظيف الشعور الديني في التعبئة الوطنية خلال مرحلة مواجهة الاستعمار، حيث لعب الدين دورا مهما في توسيع قاعدة الحركة الوطنية ونقل خطابها من النخب الحضرية إلى المجتمع.
أما العنصر الثاني فتمثل في الانفتاح على الوعي العربي، إذ استثمرت النخب الوطنية المرجعية الثقافية العربية في مواجهة السياسات الاستعمارية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الخصوصية المغربية.
في حين تمثل العنصر الثالث في استحضار عراقة الدولة المغربية وتقاليدها السياسية، حيث اعتبر الوطنيون أن استمرار مؤسسة الدولة والعرش يشكلان ركيزة أساسية للهوية الوطنية ووحدة البلاد.
كما توقف عند الدور الرمزي لمؤسسة الملكية في ترسيخ الوطنية المغربية، مشيرا إلى أن الحركة الوطنية جعلت من العرش رمزا للسيادة والوحدة، وهو ما تجسد لاحقاً في إقرار احتفال عيد العرش كأحد الرموز السياسية الجامعة.
من الحركة الوطنية إلى الدولة الوطنية
وسجل طارق أن مرحلة الاستقلال شكلت تحولا مفصليا في مسار الوطنية المغربية، إذ انتقلت البلاد من مرحلة الحركة الوطنية إلى مرحلة الدولة الوطنية المستقلة.
وأوضح أن خمسينيات القرن الماضي عرفت انتصار فكرة الوطنية، غير أن هذه المرحلة تزامنت أيضا مع تراجع الدور التنظيمي للحركة الوطنية نفسها، في مقابل صعود الدولة باعتبارها الحامل الأساسي لمشروع بناء الأمة وترسيخ الهوية الوطنية.
وأشار وسيط المملكة إلى أن جزءا من الصراع السياسي في مرحلة ما بعد الاستقلال ارتبط بالتنافس حول تأويل شرعية الحركة الوطنية ومن يمثل امتدادها التاريخي.
وتوقف وسيط المملكة عند عدد من المحطات التي أعادت تشكيل النقاش حول الهوية الوطنية بالمغرب.أولى هذه المحطات برزت خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، مع بروز مطالب ثقافية جديدة من بينها الحركة الثقافية الأمازيغية، التي دعت إلى الاعتراف بمكونات الهوية المغربية المتعددة.
أما المحطة الثانية فتمثلت في المسيرة الخضراء سنة 1975، التي اعتبرها طارق لحظة مفصلية أعادت إحياء التعبئة الوطنية وأطلقت موجة قوية من المشاعر الجماعية المرتبطة بالانتماء الوطني.
نقاش متجدد حول الهوية
في حين اعتبر أن الفترة الممتدة بين 2001 و2011 تمثل ما وصفه بـ“عشرية الاعتراف”، وهي مرحلة اتسمت بإعادة التفكير في الهوية الوطنية عبر سلسلة من الإصلاحات، توجت بدستور 2011 الذي نص على تعددية مكونات الهوية المغربية وأكد على روافدها الثقافية والحضارية المتنوعة.
وأكد حسن طارق أن النقاش حول الهوية الوطنية يظل مفتوحا ومتجددا، خاصة في ظل التحولات السياسية والثقافية التي يعرفها العالم.وأوضح أن الوطنية ليست معطى ثابتاً، بل عملية تاريخية مستمرة تعيد فيها المجتمعات تعريف ذاتها باستمرار، مشيراً إلى أن دراسة هذه القضايا تقتضي الجمع بين الحس النقدي والوعي العاطفي بالانتماء.
وختم بالقول إن التفكير في قضايا الوطن لا يمكن أن يكون منفصلاً عن العاطفة، لكنه في الوقت ذاته يتطلب تحويل هذا الشعور إلى قدرة على التحليل والتمييز، بما يسمح بفهم أعمق لمسار تشكل الهوية الوطنية المغربية.
المصدر:
العمق