آخر الأخبار

البجوقي: المنفى جرح مفتوح في الذاكرة .. والكتابة انحياز أخلاقي للإنسان

شارك

ثمة حوارات لا تُنجَز بالكلمات فقط، ولكنها تُكتب بما تبقّى في الروح من رجفة، وبما ترسّب في الذاكرة من غبار السنوات وسنوات الرصاص. وهذا الحوار على صفحات جريدة “هسبريس الإلكترونية”، مع الروائي المغربي عبد الحميد البجوقي ليس مجرد مساءلة لكاتب عن سيرته، وإنما هو اقتراب حذر من نارٍ ما زالت مشتعلة تحت رماد المنفى، ومن صوتٍ تعلّم أن يكتب كي لا يتحوّل الألم إلى صمتٍ مطبق.

ونحن هنا لا نفتح سيرة شخصية بقدر ما نلامس جغرافيا الجرح. جرحٌ اسمه نزيف سنة 1984، اسمه الحكم الغيابي بثلاثين سنة سجناً، اسمه الخروج القسري من وطنٍ لم يكن ضيقاً إلا في عيون من ضاقوا به. ومنذ السؤال الأول، يتبدّى أن الكتابة عند الروائي البجوقي لم تكن ترفاً ثقافياً ولا تمريناً جمالياً على الحنين، وإنما كانت ضرورة وجودية، ومحاولة لإعادة ترتيب العالم بعد أن انكسر في داخله شيء لا يُرمَّم بسهولة.

والهجرة في هذا الحوار ليست انتقالاً من ضفة إلى أخرى، فهي انشطارٌ في المعنى. وهي ليست تذكرة سفر، بقدر ما هي امتحان للهوية. وحين يقول إنه لم يُهاجر ولكنه غادر مُكرهاً، منفياً ولاجئاً، نفهم أن المسافة التي صنعت نصوصه لم تكن خياراً حرّاً، وأن المسافة فُرضت عليه كما يُفرض الصمت على فمٍ يعرف الحقيقة. ومن هذه المسافة، ومن هذا الفراغ القاسي بين الجسد وأرضه ورائحة الوطن، بدأت اللغة تبحث عن شكلٍ يحتمل التمزّق.

ولا يمكن اعتبار المنفى هنا استعارة شعرية أو روائية، وإنما واقعاً مادياً عاشه ستة عشر عاماً، بين ذاكرة لا تهدأ وأمكنة جديدة تتسلل إلى الوعي ببطء. وفي كل جواب من أجوبته، ثمة إحساس بأن الرواية ليست حكاية تُروى، فهي ذاكرة تُنقَذ. وأن الكتابة، كما يراها، ليست بناء عوالم متخيّلة فحسب، فهي مقاومة للنسيان، للطمس، للرواية الرسمية التي تختزل صرخة شعب في كلمة “شغب”.

وهذا الحوار يضيء أيضاً تلك المنطقة الشفافة بين الداخل والخارج. بين كاتب يعيش في إسبانيا، لكن قلبه لا يعيش خارج المغرب. وطنه ليس جغرافيا فحسب، وإنما طبقات من الوعي، ومن الأصوات، ومن الأزقة، ومن وجوه الأمهات اللواتي ينتظرن خبراً عن أبنائهن. والكتابة عنده عبور دائم بين نافذتين، بين زمنين، بين ذاكرة تتشكل في المغرب ووعي يتوسع في المنفى. وهو لا يختار موقعاً للكتابة، وإنما يكتب من المسافة نفسها، من ذلك الشرخ الذي يجعله يرى الأشياء مضاعفة، أعمق، وأكثر هشاشة.

ونكتشف في حديثه عن الشخصيات الروائية، أن تمزق الهوية والقلق الاجتماعي ليسا موضوعين خارجيين، بل هو مناخ يتنفسه. ولا تُنسخ شخصياته من الواقع، ولكن تُعاد صياغتها كي تحمل هشاشتها بصفاء فني، وكي تتحول من حالات فردية إلى مرايا تعكس قلق جيل كامل. وتتمثل الهجرة عنده كسؤال وجودي قبل أن تكون انتقالاً جغرافياً. والهوية عنده ليست بطاقة تعريف، فهي نهرٌ متحوّل، تصنعه الذاكرة والهجنة والتجربة.

أما الموقف السياسي، فلا يراه شعاراً عالياً بقدر ما يراه مسؤولية أخلاقية. والمثقف، في تصوره، ليس خطيباً دائماً، لكنه شاهد على زمنه، وصانع رأي، وضمير يقظ. والكتابة نفسها، حين تنحاز للإنسان في هشاشته، تصبح موقفاً حتى وإن لم ترفع لافتة.

في عمق هذا الحوار على جريدة “هسبريس”، وهي تفتح صفحاتها للكاتب(ة) والمثقف(ة) المغربي(ة)، يتشكل خيطٌ ناظم: الإيمان بأن الرواية ما زالت قادرة على إبطاء الزمن، وعلى استعادة العمق في عصر السرعة الرقمية، وعلى إعادة الإنسان إلى أسئلته الأولى. والكاتب هنا، لا يكتب طلباً لاعتراف ولا سعياً إلى مجد، وإنما لأن الكتابة فعل مقاومة. ومقاومة للنسيان، للابتذال، ولما يُراد له أن يمرّ بلا مساءلة.

هكذا يتبدّى هذا الحوار المضيء، لا كمجرد تبادل أسئلة وأجوبة، ولكن كمساحة اعتراف إنساني، كوقفة أمام مرآة زمنٍ لم يكن رحيماً، وكشهادة على أن المنفى يستطيع أن يُبعد الجسد عن ترابه، لكنه لا يملك سلطاناً على الأحلام. وفي هذه المسافة بالذات، بين الألم واللغة، يولد الأدب، وتستعيد الروح رونقها، وتتنفّس الأسئلة… بلا خوف حينما يعود الكاتب إلى أرضه وإلى مدينة تطوان حيث ميلاد الحكاية….

نص الحوار:

الكتابة عندك ارتبطت مبكراً بتجربة الهجرة والاغتراب. هل بدأت تكتب لأنك هاجرت، أم هاجرت لأن الكتابة كانت تبحث عن مسافة؟ بمعنى آخر: هل الانتقال والهجرة سبب إبداعك أم نتيجته؟

لم أهاجر بالمعنى الذي توحي به الكلمة، بل غادرتُ المغرب مُكرهاً، منفياً لاجئاً، بعد أحداث 1984، حين صدر في حقي حكم بثلاثين سنة سجناً. لم تكن الرحلة بحثاً عن أفق جديد، ولا لأن الأرض ضاقت بأحلامي، بل لأن السلطة ضاقت بوجودي..

المنفى، في تلك التجربة، لم يكن فكرة رومانسية ولا تمريناً لغوياً على الحنين، بل كان جرحاً مفتوحاً في الذاكرة. وربما من هذا الجرح تحديداً، من تلك المسافة القسرية بيني وبين وطني، تسرّبت الرغبة في الكتابة، ولا سيما كتابة الرواية.. المنفى لم يُملِ عليّ أن أكتب، لكنه وسّع في داخلي هوّة الأسئلة، وترك اللغة تبحث عن شكلٍ يحتمل هذا التمزق.

مع ذلك، لا أستطيع أن أقول إن الاغتراب كان سبب إبداعي، ولا أن الإبداع كان نتيجة له. العلاقة بينهما ليست علاقة شرطية بسيطة، لا سببية مباشرة ولا حتمية خفية.. إنها علاقة تداخل وتشابك. المنفى مَنحَني مسافة، وأعاد ترتيب علاقتي بالذاكرة، والرواية هي فن الذاكرة بامتياز.

المفارقة أن الكتابة الروائية بدأت فعلياً بعد عودتي إلى أرض الوطن، لا في ذروة البعد عنه. كأن العودة هي التي أضاءت ظلال الغياب، وكأن الوطن حين يُستعاد يُصبح أكثر قابلية للسرد. هناك، في المسافة بين ما عشته وما نجوتُ منه، تولّدت الرواية. ليس المنفى إذن سبباً ولا نتيجة، بل شرطاً وجودياً عميقاً أعاد صياغة نظرتي إلى العالم، وترك أثره في نبرة السرد، في إيقاع الجملة، وفي ذلك الحنين الذي لا يُعلن نفسه صراحة، لكنه يسكن كل سطر.

دعني أتوقف عند هذه النقطة الحساسة: ماذا وقع بالفعل في أحداث 1984 الشهيرة، كما عشتها ومن تجربتك الخاصة؟

في شتاء سنة 1984، كانت مدن الشمال المغربي تغلي تحت سطح يبدو ساكناً. كانت الشوارع الضيقة في تطوان والحسيمة والناظور وطنجة تختزن صمتاً ثقيلاً، يشبه ذلك الصمت الذي يسبق العاصفة. الرواية الرسمية سمّتها آنذاك “أحداث الشغب”، وكأن الأمر لا يعدو انفلاتاً عابراً لجماهير غاضبة. غير أن من عاشوا تلك اللحظة، أو لامسوا نارها من بعيد، كانوا يدركون أنها لم تكن شغباً عابراً، بل صرخة جماعية في وجه اختناق طويل، صرخة خبز وكرامة وعدالة.
كان الاحتقان الاجتماعي قد بلغ مداه. أزمة اقتصادية خانقة، بطالة متفشية، فقر يتسع كرقعة ظلّ في مساء شتوي، وفوارق طبقية تتجسد يومياً في تفاصيل الحياة الصغيرة، في دفاتر مدرسية لم تُشترَ، في موائد خالية إلا من الشاي والخبز، في أحلام شباب تضيق بها الأزقة كما تضيق بها الصدور، في تداعيات محاولة منع التهريب المعيشي من سبتة المحتلة. خرج الناس إلى الشوارع بلا سلاح إلا غضبهم وأملهم، بلا برنامج سياسي مُحكم، إلا رغبة فطرية في أن يُسمَع صوتهم.
لم أكن هناك.

أين كنت إذاً، لم تكن بشمال المغرب مكان الانتفاضة الشعبية؟

كنت في الرباط، أجلس في مدرجات كلية الحقوق، أراجع دروسي لاجتياز امتحانات نصف السنة. كانت الكتب أمامي مفتوحة على نصوص القانون الدستوري والنظريات السياسية، بينما كانت مدن الشمال تكتب بدمها نصاً آخر عن معنى الدولة والشرعية والعدالة. لم أشارك في تلك الانتفاضة، لكن اسمي كان ضمن لوائح أُعدّت سلفاً، لوائح نشطاء ومناضلين في أطر اليسار والنقابات، الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، شبيبة الاتحاد الاشتراكي، فصيل رفاق الشهداء في الجامعة، جمعيات ثقافية محسوبة على الصف التقدمي… كنا في نظر السلطة، الوجوه الجاهزة لتحمّل وزر كل اهتزاز اجتماعي.

كانت السلطة في حاجة إلى رواية مضادة. لم تكن تريد للعالم أن يرى في ما جرى نتيجةً لسياسات لا شعبية، أو تعبيراً عن اختلالات بنيوية تراكمت سنوات. كان الأسهل أن يُختزل الغضب الشعبي في “مؤامرة”، وأن يُختصر الألم في “تنظيمات متطرفة” ذات أجندات خارجية. هكذا تحوّلنا، نحن الطلبة الحالمين، إلى متهمين غيابيين في مسرحية سياسية مُحْكَمة الإخراج.

آلاف الضحايا سقطوا بين قتيل وجريح، ومئات المعتقلين زُجّ بهم في السجون. أحكام قاسية وغير مسبوقة صدرت في حق شباب لم يحملوا سوى شعارات. أما أنا، فقد صدر في حقي حكم غيابي بثلاثين سنة سجناً. ثلاثون سنة… رقم أكبر من عمري آنذاك والذي لم يتجاوز 22 سنة، كأنه قدر مكتوب بلغة الحديد.

من حُسن حظي، أو ربما من سوءه، استطعت العبور إلى الضفة الأخرى. كانت لحظة العبور أشبه بالخروج من جلد قديم. لم أكن أهرب من وطن، بل من سجن ينتظرني. ومع ذلك، شعرت كأنني أترك خلفي جزءاً من روحي عالقاً في مرافئ الشمال، في وجوه الأصدقاء، في مقاهي الجامعة، في دفاتر لم تُستكمل حواشيها.

كيف عشت تجربة جديدة بين الغربة والهجرة وبداية أفق جديد؟

بدأت حياة جديدة، لكن كلمة “جديدة” كانت خادعة. المنفى لا يمنحك حياة بديلة بقدر ما يفرض عليك إعادة تركيب ذاتك من شظايا. في الغُربة، تكتشف أن الوطن ليس مجرد جغرافيا، بل ذاكرة تتسلل إلى تفاصيلك اليومية، في رائحة الخبز، في نبرة موسيقى عابرة، في كلمة عربية تُسمع صدفة في شارع بارد وسط مدريد..

قضيتُ ستة عشر عاماً في المنفى. ستة عشر عاماً من التوازن الصعب بين الألم والأمل. لم يكن المنفى ظلاماً خالصاً، كان يحمل في طياته أيضاً مساحات من الضوء. تعرّفت إلى وجوه جديدة، إلى صداقات عابرة للحدود، إلى تجارب نضالية مختلفة. واصلت الفعل السياسي والثقافي، وكأنني أقاوم فكرة الاقتلاع ذاتها. كنت أقول لنفسي: إذا أبعدوا الجسد، فإن الفكرة لا تُنفى.

وفي المنفى، تعلّمت أن المعاناة ليست وجهاً واحداً. هناك ألم الفقد، نعم، لكن هناك أيضاً فرح الاكتشاف. هناك مرارة الاشتياق، لكن هناك كذلك متعة الانتصار الصغير: مقال يُنشر، ندوة تُعقد، قضية تكسب تعاطفاً. كنت أتمسك بتلك اللحظات كما يتمسك الغريق بخشبة عائمة.

وحين عدت إلى الوطن سنة 2000، لم تكن العودة نهاية المنفى. كان المنفى قد استقر في داخلي، صار طبقة خفية من وعيي، نظارة أرى بها الأشياء. عُدت وأنا أحمل أسئلة أكثر مما أحمل أجوبة. وجدت وطناً تغيّر، وأصدقاء غيّبتهم السنوات، وأجيالاً جديدة لا تعرف عن 1984 إلا ما تسرده الروايات الرسمية أو الهمسات الخاصة.

بعد تجربة الغربة الطويلة والمنفى تعود إلى الوطن محملاً بالكتابة وبالأسئلة ورائحة الوطن؟

أصبحت مهمتي، كروائي اليوم، أن أنقل الجانب الإنساني من تلك المرحلة، أن أكتب عن الخوف الذي يسكن أمّاً تنتظر خبراً عن ابنها المعتقل، عن حيرة طالب يجد اسمه في لائحة اتهام لم يفهم تفاصيلها، عن منفيّ يضحك في مقهى أوروبي بينما قلبه معلّق بساحة الفدان في تطوان. أن أكتب أيضاً عن الفرح الممكن، عن قدرة الإنسان على التكيّف، عن الحب، عن الحلم رغم كل شيء..
لأن الحلم لم يكن ترفاً بل كان ضرورة..

كنت أحلم، وما زلت، بتقليص الفوارق الطبقية، بفضح انتهاكات حقوق الإنسان، بعدالة اجتماعية لا تُختزل في شعارات، وبمساواة حقيقية بين البشر. ربما بدت تلك الأحلام كبيرة، وربما دفعتُ ثمنها غالياً، لكنني أدركت مع الزمن أن القيمة الحقيقية ليست في الوصول، بل في الاستمرار.

وهكذا، تظل سنة 1984 علامة محفورة في الذاكرة، لا كحدث عابر، بل كبداية مسار طويل من الأسئلة. مسار علّمني أن الحرية ليست منحة، وأن العدالة ليست وعداً جاهزاً، بل صراع يومي، صامت أحياناً، وصاخب أحياناً أخرى.

المنفى يستطيع أن يُبعد الجسد عن ترابه، لكنه لا يملك سلطاناً على الأحلام..

تعيش في إسبانيا، لكن نصوصك لا تنفصل عن المغرب. كيف تصوغ علاقتك بالمكانين؟ هل تكتب من الداخل المغربي بذاكرة الخارج، أم من الخارج بعين مشدودة إلى الداخل؟

أعيش في إسبانيا، لكنني لا أعيش خارج المغرب. الأمكنة في المنفى لا تُختزل في جغرافيا، بل تتحوّل إلى طبقات من الوعي، إلى زمنين يسكنان جسداً واحداً. الوطن ليس مجرد أرض نُغادرها، ولا المنفى مجرد فضاء نقيم فيه، كلاهما يصيران حالة داخلية، تُبنى بالتراكم. ما نحمله معنا من أصوات وأزقة ولهجات ووجوه، وما نُراكمه من تجارب جديدة، من لغات أخرى، من عيشٍ مختلف، من مشاعر تتبدّل ولا تنقطع.

حين أكتب، لا أكتب من الداخل المغربي بذاكرة الخارج، ولا من الخارج بعينٍ مشدودة فقط إلى الداخل. أكتب بذاكرة مشتركة، بوعيٍ مُزدوج لا يفصل بين هنا وهناك، بل يجمعهما في جملة واحدة. أتنقّل بين المكانين كما يتنقّل الضوء بين نافذتين متقابلتين، أحياناً لا أعرف أيهما الداخل وأيهما الخارج. هل الداخل هو ما أسكنه الآن، أم ما يسكنني منذ الطفولة؟ وهل الخارج هو ما تركتُه خلفي، أم ما أعيشه كل يوم؟

الكتابة بالنسبة لي ليست اختيار موقع، بل عبور مستمر. لا يمكنني أن أكتب دون أن أتحرّك بين الضفتين، دون أن أستدعي المغرب من شرفات إسبانيا، وأن أرى إسبانيا من خلال ذاكرة تشكّلت في المغرب. إنهما لا يتنافيان في النص، بل يتحاوران، يتداخلان، ويصنعان معاً نبرةً سردية لا تنتمي كلياً إلى هذا ولا إلى ذاك.

ربما هذا هو قدر الكتابة في المنفى، أن تكون عيناً مشدودة إلى كليهما، وقلباً موزّعاً بينهما، ولغةً تحاول أن تُصالح ما لا يُصالح تماماً. أكتب لأجمع ما تفرّق، لا لأحسم أيّهما وطني، بل لأعترف أن الوطن صار صيغة جمع، وأنني أنتمي إلى المسافة نفسها بقدر ما أنتمي إلى الأرض..

شخصياتك الروائية غالباً ما تعيش تمزق الهوية والقلق الاجتماعي. كيف تبني هذه الشخصيات؟ هل تنطلق من نماذج واقعية صادفتها في الهجرة، أم أنك تعيد تشكيلها تخييلياً لتكثيف التجربة الإنسانية؟

شخصياتي لا تُستنسخ بالضرورة من وجوهٍ صادفتها، ولا تُستولد كاملةً من محض الخيال. إنها تنشأ في المسافة بين الواقع وتحوّلاته في الوعي. ألتقط من الحياة شرارتها الأولى: هيئة عابرة، جملة قيلت في لحظة انكسار، نظرة قلقٍ في محطة قطار. ثم أترك للخيال أن يُعيد ترتيب هذه الشظايا، لا ليُخفي أصلها، بل ليكثّف معناها.

تمزُّق الهوية والقلق الاجتماعي ليسا موضوعين أبحث عنهما، بل مناخاً أتنفّسه. لذلك تأتي الشخصيات محمّلةً بهذا الارتباك الوجودي، كأنها تسير دائماً على تخوم انتماءٍ لا يكتمل. أنا لا أنقلها من الواقع كما هي، بل أُعيد صياغتها لتصير أكثر صفاءً في التعبير عن هشاشتها، وأكثر قدرةً على حمل الأسئلة التي تعنيني.

باختصار، أبدأ من الواقع، لكنني لا أطمئن إليه، أستعين به ثم أتجاوزه، لأصل إلى شخصيةٍ قد تشبه كثيرين، لكنها في النهاية تنتمي إلى حقيقتها الفنية، لا إلى سيرةٍ بعينها، وباختلافها تُشبِهُني..

الهجرة في أعمالك ليست فقط انتقالاً جغرافياً، ولكنها تبدو سؤالاً وجودياً. ما الموضوعة الكبرى التي تشعر أنك تشتغل عليها بإلحاح؟ هل هي الهوية؟ الكرامة؟ الانكسار؟ أم البحث عن معنى في عالم بلا يقين؟

الهجرة في نصوصي ليست طريقاً بين ضفتين، بل مرآةً لسؤال أعمق: سؤال من نكون حين تتغيّر الأمكنة ولا تكفّ ذواتنا عن التحوّل؟ الموضوعة التي أعود إليها بإلحاح هي الهوية، لا بوصفها جوهراً صلداً أو بطاقة تعريف، بل ككائن حيّ يتشكّل بالتراكم، بالاختلاط، بالهجنة التي تصنعنا ونحن نظن أننا نصنعها.

الهوية عندي ليست نقاءً يُصان، بل نهرٌ ترفده روافد شتى، ذاكرةٌ تنفتح على ذاكرات، ولغةٌ تُجاور لغات، وتجربةٌ تتسع لما كان يُحسب غريباً. في هذا المعنى، ليس الاغتراب فقداناً لهوية أصلية، بل كشفاً عن طبيعتها المتحوّلة أصلاً. نحن حصيلة ما نحمله وما نكتسبه، ما نتذكّره وما نتعلّمه، وما نخلطه في داخلنا دون أن نشعر.

ربما الهجنة ليست قدراً فردياً فحسب، بل أفق الإنسانية القادمة، هويةٌ تعترف بتعدّدها، وتجد في الاختلاط ثراءً لا تهديداً، وفي التراكم معنىً لا ارتباكاً.

كيف ترى الموقف السياسي للكاتب المغربي في الداخل والخارج؟ هل تعتبر أن الكاتب ملزم بإعلان موقف صريح، أم أن الكتابة نفسها موقف، حتى وإن لم تكن مباشرة أو خطابية؟

أنا لا أرى بالضرورة أن الجمع بين الفعل الروائي والموقف السياسي شرطٌ أو وصفة جاهزة، فلكل كاتب مساره واختياره. لكنني أؤمن أن المثقف، حين يختار أن يكون حاضراً في المجال العام، لا يمكن أن يكتفي بدور المنتج للمتعة أو الفرجة، حتى وإن كانت مكتوبة بإتقان. أن يكون للمثقف رأي وموقف، وحساسية تجاه قضايا الناس وأفراحهم وأحزانهم، هو جزء من مسؤوليته الأخلاقية قبل أن يكون موقفاً أيديولوجياً.

المثقف، في تقديري، ليس خطيباً ولا ناشطاً بالضرورة، لكنه ضميرٌ يقظ وصانع رأي وشاهد على زمنه. وحين يتراجع هذا الدور، تتحول الثقافة إلى ترف، وتصبح الكتابة معزولة عن نبض المجتمع مهما بلغت من جمال أو براعة تقنية.

الواقع الاجتماعي المغربي، بكل تناقضاته، يحضر في نصوصك بشكل واضح. هل تعتبر نفسك كاتباً واقعياً؟ أم أنك تستخدم الواقع كذريعة لطرح أسئلة أعمق حول الإنسان والسلطة والهامش؟

لا أرى نفسي كاتباً واقعياً بالمعنى المدرسي للكلمة، لكنني لا أستطيع أن أكتب خارج الواقع أو فوقه. الرواية عندي لا تنسخ العالم كما هو، ولا تكتفي باتخاذه ذريعة لأسئلة فلسفية معلّقة في الفراغ، إنها تدخل إليه، تُلامسه، تُنصت إلى طبقاته الخفية، ثم تُعيد تشكيله بلغة تكشف ما يُراد له أن يظلّ صامتاً.

والواقع في النص الروائي مسؤولية قبل أن يكون مادة. مسؤولية أن ترى ما يُتجاهَل، وأن تمنح الهامش حقّه في الظهور، وأن تُصغي إلى أصوات لا تجد منبراً. الكتابة ليست ادعاء تمثيل أحد، لكنها انحياز أخلاقي للإنسان في هشاشته، في قلقه، في صراعه مع السلطة ومع شروط العيش القاسية.

لهذا أكتب الواقع لا بوصفه سطح أحداث، بل كنسيج من العلاقات والقوى والآمال المجهضة، وأحاول أن أجعل من الرواية مساحةً يتكلم فيها من لا يُسمَع، لا بالصراخ، بل بالسرد الذي يعيد إليهم كرامة الحضور..

عناوين كتبك تحمل كثافة دلالية ورمزية. كيف تختار عنوان العمل؟ هل يولد قبل النص كإشارة طريق، أم يأتي بعد اكتماله كتتويج لمعناه الخفي؟

في تجربتي، غالباً ما يولد العنوان بعد اكتمال النص، لا قبله. يأتي متأخراً، كأنه الصدى الأخير لما كُتب أو اللمسة التي تُضيء المعنى دون أن تشرحه. لا أتعامل معه كبوصلة تقود الكتابة، بل كنافذة صغيرة تُفتح على عالمٍ صار قائماً.

في تقديري، أهمية العناوين تنحصر في شيء بسيط ومراوغ معاً: أن يُثير شهية القارئ، أن يوقظ فضوله، أن يهمس له بأن وراء الكلمات عالماً يستحق الاكتشاف، لا أكثر ولا أقل..

يعيش الكاتب المغربي المهاجر بين نظامين ثقافيين وسوقين مختلفين للنشر. كيف تنظر إلى “الصرافة الثقافية” بين المغرب وأوروبا؟ هل تمنحك هذه الثنائية حرية أكبر أم تفرض عليك إكراهات مضاعفة؟

ما يُسمّى بـ”الصرافة الثقافية” يبدو، من بعيد، كأنه امتياز: العبور بين نظامين، والكتابة على تخوم سوقين. لكن حين تكتب بالعربية وأنت مُقيم في أوروبا، تتحوّل الثنائية إلى عبء مضاعف. هناك، لا يُفهم دائماً أن تختار لغتك الأم وأنت قادر على الكتابة بلغتهم، كأنهم ينتظرون منك أن تندمج لغوياً كي تكتمل شرعية وجودك الأدبي. تصبح العربية في هذا السياق، خياراً يحتاج إلى تبرير، لا حقاً طبيعياً في التعبير.

وفي المقابل، لا يجد الكاتب دائماً في المغرب احتضاناً كافياً يعوّض هذا الغياب. البُعد الجغرافي يتحوّل أحياناً إلى مسافة رمزية، وسوق النشر محدود، والرهانات الثقافية محكومة بشروط لا ترحم. فيجد نفسه بين فضاءين لا يمنحانه تمام الاعتراف، كأنه صوتٌ يَعْبر الحدود ولا يستقرّ في أيٍّ منها..

ليست حريةً خالصة إذن، ولا إكراهاً بسيطاً، بل حالة نشاز خفيف عالق بين لغتين وسوقين، يدافع عن حقه في أن يكتب بلغته حتى لو بدا ذلك في أعين البعض خياراً غير عملي، لكنه في العمق خيار وجودي.

ما هي أكبر الإكراهات التي تواجه الكاتب اليوم: هل هي مادية، مؤسساتية، رقابية، أم نفسية؟ وكيف تحافظ على استقلاليتك الإبداعية وسط هذه الضغوط؟

أكبر الإكراهات التي تواجه الكاتب اليوم في تقديري مادية ومؤسساتية بالدرجة الأولى. هشاشة سوق الكتاب، ضعف التوزيع، محدودية الدعم، وغياب سياسات ثقافية مُستقرة تجعل الكتابة فعلاً محفوفاً بالقلق اليومي. أما المؤسسات، فغالباً ما تشتغل بمنطق الشبكات وربما الولاءات، لا بمنطق القيمة وحدها، فيشعر الكاتب أنه خارج لعبة لا يريد أن يدخلها أصلاً.

أحافظ على استقلاليتي الإبداعية بأن أفصل، قدر الإمكان، بين شروط العيش وشروط الكتابة. أكتب وفق إيقاعي الداخلي لا وفق ما يُنتظر مني، وأتعامل مع النص كمساحة سيادة شخصية، لا كاستجابة لإكراه ظرفي. ربما لا يُغيّر ذلك الواقع، لكنه على الأقل يحمي عندي جوهر الكتابة من أن يتحوّل إلى مجرّد وظيفة.

بعد هذه الرحلة في الكتابة والمنفى، ماذا تراهن عليه اليوم؟ هل ما زلت تؤمن بجدوى الرواية في زمن السرعة الرقمية؟ وما الأثر الذي تريد أن يتركه اسمك داخل المشهد الثقافي المغربي؟

ما زلت أؤمن بجدوى الرواية، ربما أكثر من أي وقت مضى. في زمن السرعة الرقمية، تظلّ الرواية فضاءً للبطء الضروري، للتأمل، لإعادة الإنسان إلى عمقه بعيداً عن الاستهلاك العابر للكلمات.

أما الأثر الذي قد يتركه اسمي في المشهد الثقافي المغربي، فصراحة لا يشغلني. لا أكتب طلباً لاعتراف ولا سعياً إلى كسب مادي ولا حتى رمزي. أكتب لأن الكتابة، في جوهرها ـ في تقديري ـ فعل مقاومة، مقاومة للنسيان، للابتذال، ولما يُراد له أن يمرّ بلا مساءلة..

كلمة مفتوحة لك

امتناني العميق للصديق العزيز المبدع سي عبد الله على هذا الحوار الدافئ، وهذه الالتفاتة النبيلة التي وسّعت أفق القول وأضاءت مساراته.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا