آخر الأخبار

دفاع محمد مبديع أمام المحكمة.. الصفقات العمومية مسؤولية مؤسساتية لا قرار فردي

شارك

قدم دفاع محمد مبديع، الرئيس السابق لجماعة الفقيه بنصالح، دفوعاته أمام المحكمة في الملف المرتبط بتدبير الصفقات العمومية خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2008 و2016، معتبرا أن القضية المطروحة تتجاوز مجرد الحديث عن اختلالات تقنية في الصفقات، وتطرح صعوبات قانونية تتعلق بمدى إمكانية تحميل رئيس جماعة ترابية بمفرده مسؤولية تبديد مبالغ مالية كبيرة داخل منظومة إدارية تخضع لعدة مستويات من الرقابة.

وخلال مرافعته، شدد الدفاع على أن رئيس الجماعة لا يتصرف بشكل فردي أو خارج الإطار المؤسساتي، بل يشتغل داخل منظومة إدارية وقانونية معقدة تقوم على تعدد المتدخلين والهيئات الرقابية، وهو ما يجعل اتخاذ أي قرار مالي أو إداري خاضعا لسلسلة من المراقبات والتأشيرات المسبقة واللاحقة.

وأوضح الدفاع أن تدبير الصفقات العمومية داخل الجماعات الترابية يخضع لعدة مستويات من الرقابة، تبدأ بوصاية وزارة الداخلية عبر الوالي أو العامل، مرورا بالمراقبة المالية التي تمارسها الخزينة العامة للمملكة بواسطة المحاسب العمومي المكلف بالأداء، وصولا إلى الرقابة التقنية التي تتولاها مكاتب الدراسات والمهندسون الجماعيون المكلفون بإعداد الدراسات التقنية وتتبع الأشغال والتحقق من الكميات المنجزة على أرض الواقع.

واعتبر الدفاع أن تصور النيابة العامة الذي يقدم رئيس الجماعة كصاحب صلاحيات مطلقة يتحكم بمفرده في مساطر الصفقات وتحديد الأسعار والكميات لا ينسجم مع المقتضيات القانونية المنظمة للصفقات العمومية، كما لا يعكس طريقة اشتغال الإدارة المغربية التي تقوم أساسا على مبدأ العمل الجماعي والمؤسساتي وتعدد مستويات القرار والمراقبة.

وفي هذا السياق، أوضح الدفاع أن مهام رئيس الجماعة بصفته آمرا بالصرف تظل محدودة ومقيدة بمقتضيات قواعد المحاسبة العمومية، حيث يقتصر دوره على اقتراح الالتزام بالنفقات، وتوقيع عقود الصفقات باسم الجماعة، وإصدار أوامر الأداء، دون أن يمتلك سلطة صرف الأموال أو تحويلها بشكل مباشر، إذ تبقى هذه الصلاحية من اختصاص المحاسب العمومي التابع للخزينة العامة للمملكة، والذي يتحمل بدوره مسؤولية مراقبة قانونية النفقات قبل صرفها.

واستعرض الدفاع خلال مرافعته عددا من الصفقات التي شملتها الأبحاث القضائية، من بينها صفقة كبرى أبرمت سنة 2006 مع شركة “RAIIAD” لإنجاز أشغال تهيئة الطرق والبنية التحتية بمدينة الفقيه بنصالح، بلغت قيمتها حوالي 56 مليون درهم، إضافة إلى صفقة خدمات هندسية في السنة نفسها مع تجمع “BIECTRA–FABET” لإنجاز الدراسات التقنية وتتبع الأشغال.

وشملت التحقيقات صفقات أخرى أبرمت بين سنتي 2008 و2016 مع مقاولات متخصصة في أشغال الطرق والتجهيزات الحضرية.

وأكد الدفاع أن إبرام هذه الصفقات يتم وفق مسار إداري واضح تشارك فيه عدة مؤسسات وهيئات رقابية، حيث تخضع الصفقات الكبرى لموافقة سلطة الوصاية قبل تنفيذها، كما لا يتم صرف أي مبلغ مالي إلا بعد مراقبة دقيقة من طرف مصالح الخزينة العامة للمملكة.

وعلى المستوى التقني، تتولى مكاتب الدراسات إعداد دفاتر الشروط والتقديرات المالية، إضافة إلى تتبع الأشغال والتحقق من الكميات المنجزة، إلى جانب المهندسين والأطر التقنية التابعة للجماعة.

وأشار الدفاع أيضا إلى الدور المحوري الذي تلعبه لجان طلب العروض، والتي تضم منتخبين وموظفين وتقنيين وممثلين عن وزارة المالية، حيث تتولى هذه اللجان دراسة العروض المقدمة من المقاولات وترتيبها وفق معايير محددة تتعلق بالأسعار المعقولة وجودة الخدمات المطلوبة، قبل اختيار العرض الأفضل.

وأكد أن محاضر هذه اللجان والوثائق الرسمية المدرجة في الملف تعكس بوضوح هذا المسار المؤسساتي الذي يحكم تدبير الصفقات العمومية.

وفي سياق متصل، توقف الدفاع عند الإطار القانوني الذي كان ينظم الصفقات العمومية خلال الفترة المعنية، مبرزا أن هذه الصفقات خضعت لمجموعة من المراسيم التنظيمية المتعاقبة التي تعتمد أساسا مسطرة طلب العروض المفتوح في جلسة عمومية كقاعدة أساسية لضمان الشفافية وتكافؤ الفرص بين المقاولات، مع إمكانية اللجوء إلى مساطر استثنائية محددة قانوناً في حالات خاصة.

واستنادا إلى وثائق الملف، أكد الدفاع أن الصفقات موضوع المتابعة أبرمت في إطار طلبات عروض مفتوحة تم الإعلان عنها وفق المساطر القانونية، مع نشرها في الصحافة الوطنية وبوابة الصفقات العمومية، وهو ما اعتبره مؤشرا واضحا على احترام قواعد الشفافية والمنافسة.

وبخصوص الاتهامات المرتبطة بما سمي بـ“التفاضي” أو “تجزئة الصفقات”، أوضح الدفاع أن الادعاء بتقسيم صفقة إلى شطرين بقيمة تناهز 62 مليون درهم لفائدة نفس المقاولة يحتاج إلى إثبات وجود نية مسبقة للتحايل على قواعد المنافسة، مؤكداً أن مجرد تقسيم الأشغال لا يشكل في حد ذاته مخالفة قانونية ما لم يثبت القصد في الالتفاف على المساطر القانونية المنظمة للصفقات.

وتطرق الدفاع إلى مسألة ما وصفته بعض التقارير بـ“المبالغة في الأسعار”، والتي استندت إلى أمثلة تتعلق بأسعار تجهيزات حضرية مثل البالوعات والمقاعد الرخامية وطبقات التشريب.

وأوضح أن تحديد الأسعار في الصفقات العمومية لا يتم بقرار فردي لرئيس الجماعة، بل عبر مساطر تقنية تعتمد على تقديرات مكاتب الدراسات ومراجعة لجان مختصة تضم مهندسين وتقنيين، إضافة إلى التأشير الإداري والمالي من الجهات المختصة.

أما بخصوص الملاحظات المرتبطة بأشغال قيل إنها غير منجزة أو ناقصة، والتي وردت في بعض تقارير التفتيش، فقد أكد الدفاع أن هذه المعطيات لا تعني بالضرورة وجود اختلالات جسيمة في تدبير الصفقات، موضحا أن إثبات إنجاز الأشغال من الناحية القانونية يبقى من اختصاص الجهات التقنية المختصة، وعلى رأسها مكتب الدراسات والمهندس الجماعي، وذلك عبر الجداول التقنية ومحاضر الاستلام والتقارير الفنية.

واعتبر الدفاع أن أقصى ما يمكن الحديث عنه، في حال ثبوت بعض الملاحظات التقنية، هو وجود تقصير إداري داخل منظومة تدبير جماعية متعددة المتدخلين، وليس مشروعا إجراميا قائما على نية مسبقة لتبديد المال العام، مؤكداً أن الركن المعنوي لجريمة تبديد الأموال العمومية غير متوفر في هذه القضية.

وخلال المرافعة، توقف الدفاع أيضا عند مسألة “الضرر المالي” الذي تحدثت عنه النيابة العامة، والذي قدر بحوالي خمسة ملايين درهم مرتبطة بأشغال قيل إنها غير منجزة أو ناقصة، مثل بعض طبقات الأشغال أو أعمال الردم والتجهيزات الحضرية.

وأوضح الدفاع أن احتساب الضرر في القانون المالي لا يعتمد فقط على مجموع المبالغ المؤدى عنها، بل يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الضمانات المالية التي ترافق الصفقات العمومية.

وفي هذا السياق، أشار إلى أن دفاتر الشروط تفرض اقتطاع نسبة تتراوح بين 7 و10 في المائة من كل دفعة مالية لفائدة الجماعة على شكل “اقتطاع للضمان”، وهو إجراء يهدف إلى حماية المال العام وضمان إصلاح أي عيوب قد تظهر في الأشغال المنجزة.

وأضاف أن صفقات الأشغال تتضمن أيضا كفالات بنكية إلزامية تودعها المقاولات لدى الإدارة، ويمكن تفعيلها في حال ثبت إخلال المقاول بالتزاماته التعاقدية، ما يسمح باسترجاع المبالغ المالية أو إصلاح الأشغال المعنية دون تحميل الجماعة خسائر مالية مباشرة.

واعتبر الدفاع أن احتساب هذه المعطيات يظهر أن الضرر المالي المحتمل، إن وجد، يظل أقل بكثير من الأرقام المتداولة، ولا يمكن اعتباره تبديدا نهائيا للمال العام، بل مجرد مخاطرة مالية تبقى مغطاة جزئيا بضمانات قانونية ومالية منصوص عليها في دفاتر الشروط والصفقات.

وفي ما يتعلق بالركن المعنوي لجريمة تبديد المال العام، شدد الدفاع على أن القانون الجنائي لا يعاقب على مجرد الأخطاء في التسيير أو التقدير الإداري، بل يشترط إثبات وجود قصد متعمد لتبديد المال العام أو تحقيق منفعة غير مشروعة.

وأوضح الدفاع أن رئيس الجماعة لم يكن يستفيد بشكل مباشر أو غير مباشر من أي تضخيم في الأسعار أو من الأشغال غير المنجزة، مستندا في ذلك إلى الوثائق الرسمية المدرجة في الملف، والتي تبين أن الأسعار أعدتها مكاتب دراسات متخصصة، وصادقت عليها لجان رسمية تضم ممثلين عن وزارة المالية، كما تمت الموافقة عليها من طرف الوالي أو العامل، فيما صادقت على الأشغال الجهات التقنية والمالية المختصة، بما في ذلك المهندس الجماعي والخازن العمومي.

وبناء على قراءة شاملة لنصوص القانون والوثائق الرسمية المدرجة في الملف، خلص الدفاع إلى أن المسؤولية لا يمكن تحميلها لرئيس الجماعة وحده، نظرا لتعدد مستويات الرقابة والتأشير التي تخضع لها الصفقات العمومية.

وأوضح أن ركن الأداء المالي يثبت أن جميع المبالغ صرفت بعد تأشيرة المحاسب العمومي ممثل وزارة المالية، دون أن توجه إليه أي متابعة مالية، في حين أن الركن المعنوي للجريمة غير قائم لعدم وجود تحويلات مالية مشبوهة أو تعليمات مكتوبة تدل على نية الاحتيال أو تبديد المال العام.

وفي ختام مرافعته، التمس الدفاع من المحكمة الحكم ببراءة محمد مبديع من جناية تبديد الأموال العامة المنصوص عليها في الفصل 241 من القانون الجنائي، لعدم ثبوت القصد الجرمي وغياب أي مشروع إجرامي شخصي.

واعتبر الدفاع أنه حتى في حال ثبوت بعض الأخطاء التقنية أو الإدارية، فإن الأمر لا يخرج عن نطاق المسؤولية التسيرية المشتركة داخل منظومة تدبير الصفقات العمومية، أو مجرد إهمال إداري بسيط، وهو ما لا يرقى إلى مستوى الجريمة الجنائية.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا