آخر الأخبار

لأول مرة منذ 1969 .. الحكومة تفتح ورش إصلاح شامل للقوانين المؤطرة للقطاع الفلاحي

شارك

أطلقت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات صفقة عمومية بقيمة 5.460.000 درهم (546 مليون سنتيم) لإنجاز دراسة استراتيجية شاملة تروم إصلاح وإعادة صياغة مدونة الاستثمارات الفلاحية، في خطوة توصف بأنها الأكبر منذ إقرار هذا الإطار القانوني قبل أكثر من نصف قرن، وتهدف إلى بناء جيل جديد من التشريعات القادرة على مواكبة التحولات العميقة التي يعرفها المغرب والقطاع الفلاحي على حد سواء.

وأشارت الوزارة، وفقا للمعطيات المرفقة بالصفقة، إلى أن مدونة الاستثمارات الفلاحية تعود إلى 25 يوليوز 1969، حيث أرست آنذاك منظومة قانونية متكاملة تضم 49 نصا تشريعيا وتنظيميا (17 ظهيرا، 19 مرسوما، و13 قرارا). وعلى مدى عقود، شكلت هذه المدونة ما يشبه “الميثاق المؤطر” للتنمية الفلاحية بالمملكة، إذ نظمت تدبير مياه الري، وإصلاح البنيات العقارية، وتحفيز الاستثمار الخاص، وتأطير أنظمة الاستغلال الزراعي.

وبحسب المعطيات ذاتها، فإن التحولات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية والبيئية التي شهدها المغرب منذ نهاية ستينيات القرن الماضي، فرضت واقعا جديدا تجاوز في كثير من جوانبه الفلسفة التدخلية التي تأسست عليها المدونة، والتي كانت قائمة على التخطيط المركزي، وتسعير الموارد، وضبط أنماط الإنتاج بنصوص تنظيمية صارمة.

اليوم، ومع تسارع التغيرات المناخية، واشتداد الضغط على الموارد المائية، وتنامي دور الفاعلين الخواص، أصبح إصلاح هذا الإطار القانوني ضرورة ملحة لضمان استدامة القطاع وتعزيز قدرته التنافسية، تضيف وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات.

واعتبرت أنه منذ اعتماد المدونة سنة 1969، عرف المغرب انفتاحا اقتصاديا واسعا من خلال اتفاقيات التبادل الحر، خاصة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، كما تبنى خيار الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) لتطوير الاستثمارات الكبرى. إضافة إلى ذلك، أطلق ورش تعميم الحماية الاجتماعية، وعزز التزاماته في مجال البيئة والتنمية المستدامة.

أما على المستوى القطاعي، فقد عرف المجال الفلاحي تحولات بنيوية عميقة، من أبرزها بروز فاعلين اقتصاديين جدد، وتنامي دور سلاسل القيمة، وتطور أنظمة الإنتاج، واشتداد تأثير التغير المناخي، فضلاً عن التحول الديمغرافي الذي يفرض إدماج أجيال جديدة من الشباب في الاقتصاد القروي.

وقد واكبت هذه التحولات استراتيجيات قطاعية كبرى، على رأسها مخطط المغرب الأخضر، ولاحقا استراتيجية “الجيل الأخضر” التي كرست توجها يضع العنصر البشري، والاستدامة، والتنافسية في صلب السياسات الفلاحية.

ووفق المعطيات المرتبطة بالصفقة، سيُكلف مكتب الدراسات بإجراء جرد وطني شامل لكافة النصوص التشريعية والتنظيمية المؤطرة للقطاع الفلاحي، ليس فقط تلك الصادرة عن وزارة الفلاحة، بل أيضا النصوص ذات الصلة الصادرة عن قطاعات أخرى كالتجارة والصناعة والبيئة، بما يضمن الانسجام التشريعي على مستوى سلاسل القيمة.

وسيتم إنشاء قاعدة بيانات رقمية مهيكلة، مع إعادة تصنيف النصوص وفق شبكة تحليل حديثة تمهد لمرحلة التشخيص، وتسمح برصد التداخلات والفراغات القانونية.
الدراسة لن تكتفي بجرد النصوص، بل ستنجز تشخيصا معمقا لمدى تطبيق المدونة على أرض الواقع، ورصد الفجوات بين المقتضيات القانونية والممارسة العملية.

وسيشمل ذلك تحليل تطور المدونة منذ 1969، وتحديد النصوص المتجاوزة أو غير القابلة للتطبيق، والمقتضيات التي تستوجب التعديل أو الإلغاء، إلى جانب اقتراح مجالات تشريعية جديدة.

كما ستخضع قطاعات حيوية لتقييم مفصل، من بينها تدبير مشاريع الري العمومي، وإشكالية تجزيء العقار الفلاحي، وتحفيزات تثمين وتسويق المنتجات، وحكامة صندوق التنمية الفلاحية (FDA)، والبعد الجبائي للاستثمار الفلاحي، والمقاربة الترابية التي تراعي خصوصيات المناطق البورية والجبلية والواحات والمناطق المسقية.

وسيستحضر الإصلاح المرتقب توجهات النموذج التنموي الجديد، خاصة ما يتعلق بتعزيز السيادة الغذائية، وتحسين دخل الفلاحين، وتقاسم القيمة المضافة، وتدبير المخاطر، وخلق فرص الشغل للشباب في العالم القروي.

كما سيأخذ بعين الاعتبار رهانات الانتقال المائي والطاقي، والتحول الرقمي في الفلاحة الدقيقة، وتحديث سلاسل الإنتاج، وتعزيز دور التنظيمات المهنية والتعاونيات انسجاما مع القوانين المؤطرة لها.

وتؤكد المعطيات أن نتائج هذه الدراسة ستشكل خارطة طريق تشريعية تمتد لعقود، وتؤسس لإطار قانوني مرن ومتجدد، قادر على مواكبة التحولات الاقتصادية والبيئية، وضمان تنافسية الفلاحة الوطنية في الأسواق الدولية، مع الحفاظ على الموارد الطبيعية وتعزيز الأمن الغذائي.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا