يقدم كتاب جديد ألغازا مغربية، وأمثالا ريفية وسوسية وعربية متداولة بالمملكة، مع مقارنتها ببعض شبيهاتها بدول أخرى ناطقة باللغة العربية، وهو مؤلف جمعته ووضعته وقدمت له الكاتبة حميدة الصائغ الجراري، وصدر عن “منشورات النادي الجراري”، في إطار سلسلة من المؤلفات المخلدة “لـ”الذكرى الثانية لوفاة عميد الأدب المغربي عباس الجراري”.
في شقّ الأحاجي والألغاز المغربية، المدوّنة خاصة من المصادر الشفهية “على رأسها الوالدان الجراري والصائغ، رحمهم الله جميعا. وكذا الجدات والخالات والأخوات وبعض الرفيقات والجارات”، كتبت حميدة الصائغ أن “الأحجية أو اللغز مادة يتبارى الناس في حلها. وهي معروفة منذ القدم عند مختلف الشعوب، وفي جميع الطبقات (…) وهي عمل ذهني لذيذ، يلهو بها الناس في أوقات فراغهم. وتختلف تسميتها من شعب لآخر، فهي أحجية وخُبّيرة وحجّاية بالمغرب، وحزاير بلبنان، وفوازير بمصر، وأحاجي وألغاز والزَّرْك في الموروث الحساني، والسّولان في الملحون المغربي، وتميطرات عند الأمازيغ. ولغتها فصيحة أو عامية. وتأتي شعرا أو نثرا وهو الغالب، وتغلب عليها اللغة الشائعة”.
يجمع الكتاب أحاجي من الحياة الاجتماعية، السياسية والوطنية، الموسيقية، الدينية، المعرفية، وتلك المتعلقة بالمهن والصنائع، الحيوان والطيور والحشرات، الطبيعة، الأسرة، أحداث الموت، الأمكنة، الألبسة، وأشياء الزينة، والمعادن، والتاريخ.
وتوضح حميدة الصائغ أن جمعها الألغاز كان جزءا من مشروع كانت تروم نشره مشتركا مع رفيق دربها عباس الجراري “مما لم يسعفه الوقت لتنفيذه”. ومما شجعها على إخراج المجموع أنها كانت في رحلة “مع بعض الرفيقات، وفي إحدى الأمسيات، ألقيتُ عليهن بعض ما علق بذاكرتي من ألغاز فعجزن جميعا عن الحل إلا في القليل النادر جدا، مما أبان جهلا بهذا التراث”، لتردف: “فعساني أكون قد وفقت لتقديم زيادة، ولو بسيطة، في جمع ودراسة جانب من تراثنا الشعبي المشكل لهُويتنا وشخصيتنا وعقليتنا، وإلا فحسبي أني حاولتُ ترضية الفقيد العزيز عميد الأدب المغربي”.
خصص الكتاب الجديد شقه الثاني للأمثال الشعبية مقارنا العامي منها ببعضه في دول أخرى ناطقة باللغة العربية مع استحضار الأمثال المشابهة المتداولة وفصيحها، وإثبات نصّ وشرح ومعاني الأمثال الأمازيغية باللهجتين السوسية والريفية.
وإذا كان المثل المغربي يقول “القفة بزوج ودنين تيرفدوها اثنين”، فإن شبيهه في مصر يورد “القفة أم إيدين بيشلوها اثنين”، وفي الخليج “يد على يد تعين”، أما في الشام فـ”الحمل الثقيل بَدّو كتاف كثار”، وفي الجزائر “اليد فاليد عمرها ما تديك للواد”، وهذا دائر على المعنى الفصيح للآية القرآنية “وتعاونوا على البر والتقوى”.
ووضحت حميدة الصائغ أنها منذ الستينات لما قطنت بفاس استهواها “موضوع الألغاز والأحاجي في أدبنا الشعبي؛ وكنت كلما اجتمعت بأشخاص متقدمين في السن سألت في الموضوع وسجلت ما يتحفونني به ويروونه من حافظتهم مما يستحضرونه للاستشهاد به في مناسبة أو موقف أو حادث يتعرضون له”، وهو وضع “استمر معي بعد الرجوع للعاصمة الرباط، وتنوع الاتصالات؛ كنت أسجل دائما فتجمّع لدي الكثير”.
وتقدم في هذا الكتاب ترتيبا ومقارنة لهذه الأمثال المغربية مع “ما توفر لي منها عند أكثر البلدان العربية”، وتقسيم لها؛ حيث تكون أحيانا بنفس اللفظ مثل “ساعة لقلبك وساعة لربك” و”حق الجار على الجار”، أو تأتي بتغيير بسيط في الألفاظ مثل “الحيطة الواطية كل الناس تنط عليها” و”لحويّط لقصير اللّي جا ينقز عليه”، أو قد تأتي مع إبدال كلمة بأخرى قصد التعميم أو التضييق، أو قد تكون مشتركة في اللفظ والمعنى، أو مشتركة في المعنى مع اختلاف في طول المثل، أو قد يكون بينها تعديل في النطق فقط مثل قول “من طقطق لسَلامُ عليكم” و”من طقطق للسَّلامِ عليكم”.
يقدم الكتاب الجديد لقارئه أمثالا أمازيغية ريفية وأمثالا أمازيغية سوسية، خصّص لها قنّين يمسحان رقميا ويقودان إلى موقع خاص يحمل تسجيلا للأمثال بالأمازيغية، وشرحا لمعناها بالدارجة المغربية واللغة العربية.
وقد أعد الملحق الخاص بالأمثال من ريف البلاد كريمة بنبوعزة، في حين أعد الملحق الخاص بالأمثال من منطقة سوس عمر أمرير، وهي أمثال مدونة بالأمازيغية بالحرف العربي، مع تقديم الأمثلة المطابقة أو المشابهة لها في المعنى من الدارجة المغربية، وشرح معناها مترجما إلى اللغة العربية.
ووضحت حميدة الصائغ أن هذا الملحق قد جاء بعد زيارة من “الأخت الدكتورة كريمة بنبوعزة، إثر وعكة (…) وتجدني بين جذاذات الأمثال التي أبت إلا الاطلاع على بعضها، ولو قبل الطبع، وعادت لتبلغني بملاحظتها توافر أمثلة مشابهة بالريفية، فسألتها أن تمدني بما تيسر لها منها، فاقترحت مراجعة والدتها ومساعدتها وخالتها بالحسيمة، أوائل غشت 2025، فأجلت الطبع إلى أن أضيف الحصيلة في ملحق”.
وتابعت: “ورغبة مني في أن تُكتب لتقرأ من جهة، وتسمع منطوقة من جهة ثانية، اتصلتُ بالدكتور عمر أمرير ليقوم بكتابتها بالحرف المعتمد، تيفينار، ولكنه اعتذر لعدم معرفته باللهجة الريفية أولا، ولعدم إتقانه حاليا الكتابة بذلك الحرف. ولكنه تطوع لكتابتها بالحرف العربي”.
وهنا، أضيفَ الجزء الجديد، حيث تورد المشرفة على العمل: “غير أن الدكتور أمرير اقترح الاطلاع على مجموعي ليمدني بما تيسر له من أمثال مشابهة في المعنى مما هو رائج في سوس. فرحبت بالفكرة لما تمثله من إغناء للبحث”، وقد أورد ابن الراحل عباس الجراري، محمد الجراري، المضمون المسموع للأمثلة في الموقع الخاص بأبيه، ويمكن مسحه عبر قنّين بالكتاب؛ وأوردت والدته نصّ الأمثلة في ملحقين بالمؤلّف الجديد، وهكذا “تأتي الأمثال الريفية والسوسية إضافة مغنية، ومؤكدة لتعدد روافد تراثنا المغربي اللامادي”.
المصدر:
هسبريس