آخر الأخبار

التكتم والتحفظ يغلفان قيادة واشنطن للمشاورات الدولية حول نزاع الصحراء

شارك

انتهت الجولة الثالثة على التوالي من المشاورات الدولية حول نزاع الصحراء المغربية، والتي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية مناصفة مع منظمة الأمم المتحدة؛ وذلك تنفيذا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797، الذي وضع إطارا جديا لاستئناف العملية السياسية دون شروط مسبقة.

وانعقد هذا الاجتماع برعاية مباشرة من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبإشراف من مسعد بولس، مستشار البيت الأبيض للشؤون الإفريقية والشرق أوسطية، وبمشاركة مايكل والتز، السفير الممثل الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، وبحضور ستافان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة.

كما شارك في هذه المشاورات المغلقة، إلى جانب ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، كل من أحمد عطاف، وزير الشؤون الخارجية الجزائري، ومحمد سالم ولد مرزوك، وزير الشؤون الخارجية الموريتاني؛ إضافة إلى وفد عن “البوليساريو” ضم محمد يسلم بيسط، وسيدي محمد عمار، منسق الجبهة مع بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، إلى جانب مولود سعيد، ممثلها في واشنطن.

ووفق مصادر خاصة، ناقشت المحادثات المغلقة الخطوط العريضة لمقترح المملكة المغربية المُحَيَّن للحكم الذاتي، باعتباره الإطار الواقعي والعملي لتسوية النزاع، استنادا إلى القرار الأممي الصادر في أكتوبر 2025، والذي أكد بوضوح أن “مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية تشكل الأساس الوحيد لأي حل سياسي قابل للتطبيق”.

وعلى مستوى الموقف الأممي، علق ستيفان دوجاريك، الناطق الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة، خلال الندوة الصحافية اليومية بمقر المنظمة، على مسألة مدة هذه المشاورات، مؤكدا أن الأمم المتحدة لا تستطيع في المرحلة الراهنة تحديد السقف الزمني لاستمرار المحادثات الجارية في واشنطن، موضحا أن “هذا الغموض الزمني يندرج ضمن النهج المتحفظ الذي اختاره المبعوث الشخصي للأمين العام، بهدف منح المفاوضات أكبر فرص النجاح”.

وأضاف دوجاريك، جوابا عن سؤال مباشر حول طبيعة المشاركين في هذه المشاورات واستمراريتها، أن الأطراف المنخرطة فيها هي نفسها التي شاركت في المناقشات السابقة التي احتضنتها العاصمة الإسبانية مدريد، دون تقديم تفاصيل إضافية بشأن مراحل التفاوض أو مخرجاته المنتظرة، مكتفيا بوضع هذه الاتصالات في إطار تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2797، تحت رئاسة مشتركة بين المبعوث الأممي والسفير الأمريكي.

وحسب مصادر هسبريس، فقد ناقشت هذه المشاورات السرية سبل بلورة ما بات يُعرف بـ”خارطة طريق مدريد 2026″، التي ترسم ملامح المرحلة المقبلة؛ بما في ذلك عقد جولات تفاوضية جديدة في واشنطن قبل متم شهر أبريل المقبل، لمناقشة تفاصيل العرض المغربي الجديد المزمع تقديمه رسميا إلى منظمة الأمم المتحدة، والتوقيع على اتفاق إطار سياسي بين الأطراف الأربعة المعنية بالنزاع، بما من شأنه إضفاء طابع زمني ملزم على المسار الحالي بعد سنوات من التعثر.

ويأتي هذا التطور في أعقاب اعتماد مجلس الأمن الدولي قراره رقم 2797، حيث شرعت المملكة المغربية، بتوجيهات ملكية، في إعداد صياغة مُحَيَّنة ومفصلة لمبادرة الحكم الذاتي، تروم تقديم إطار تفاوضي متكامل وضمان تسوية سياسية مستدامة للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، في ظل دعم دولي متزايد للمقاربة القائمة على الواقعية والتوافق.

ضغط أمريكي

تفاعلا مع مستجدات المشاورات الجارية حول نزاع الصحراء المغربية، قال عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة أفريكا ووتش ونائب منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، إن العاصمة الأمريكية واشنطن أضحت مركز ثقل دبلوماسي لبذل جهود إضافية من أجل البحث عن حل سياسي للنزاع، خاصة منذ تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة في ولايته الأولى.

وأضاف الكاين، في تصريح لهسبريس، أن الولايات المتحدة انتقلت من موقع الباحث عن التوازنات خلال مناقشة قرارات تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء إلى فاعل مركزي في هندسة قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بالملف، مستثمرة صفتها كحاملة للقلم لإعادة صياغة مقاربة جديدة للمسار السياسي.

وتابع المتحدث ذاته: إن المعطيات المتوفرة، رغم محدوديتها، بشأن اللقاء الذي جمع الأطراف الأربعة بالسفير الأمريكي مايكل والتز والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستافان دي ميستورا، تشير إلى إشراف أمريكي مباشر على العملية السياسية الجارية، بهدف تبديد مخاوف الأطراف وتهيئة شروط التفاهم حول النقاط الخلافية ومحددات الإطار المرجعي للحل.

وشرح المحلل السياسي نفسه أن هذا الإطار يرتكز على إطلاق مسار تفاوضي مباشر، برعاية أمريكية وأممية مشتركة، يقوم على حسن النية ومن دون شروط مسبقة، مبرزا أن “المشاورات الجارية في واشنطن لا ترقى إلى مستوى مؤتمر سلام دولي، بقدر ما تمثل سلسلة متواصلة من اللقاءات والاجتماعات التي تُدار بإرادة مشتركة للعمل في هدوء وتكتم”.

واعتبر أن هذا النهج يفسر اختيار الولايات المتحدة والأمم المتحدة الاشتغال بصمت، سواء تعلق الأمر بالعلاقات الثنائية مع أطراف النزاع أو بالتنسيق متعدد الأطراف، وذلك تبعا لما يُسجل من تقدم أو تعثر في مسار المشاورات.

وأشار نائب منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية إلى أن الإدارة الأمريكية انخرطت بكامل ثقلها في تسهيل وتوجيه مسار المفاوضات، والتحكم في قنوات التواصل بشأنها؛ نظرا لما تتطلبه المرحلة من كتمان، لكسر حالة الجمود السياسي التي أعقبت توقف الموائد المستديرة في جنيف سنة 2019.

وأكد الفاعل الحقوقي أن هذا التكتم الشديد يهدف إلى ضبط البيئة الدبلوماسية بما يسمح باستئناف العملية السياسية، في توازن دقيق بين الاعتراف الأمريكي، سنة 2020، بالسيادة المغربية على الصحراء، والالتزام بدعم حل سياسي مقبول تحت مظلة الأمم المتحدة.

وفي هذا السياق، سجل عبد الوهاب الكاين أن هندسة المشاورات الجارية تقوم على دينامية رباعية تضم المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، رغم محاولات الجزائر حصر النزاع في ثنائية المغرب–البوليساريو، موضحا أن الواقع الدبلوماسي في واشنطن يقر بدور الجزائر كطرف محوري في أية تسوية مستقبلية، انسجامًا مع قرارات مجلس الأمن الأخيرة.

وأكمل الكاين تصريحه لهسبريس بالتأكيد على أن الغموض الذي يلف المدة الزمنية للمفاوضات يعكس استمرار تصلب مواقف بعض الأطراف في أعقاب صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797، مشددا على أن مسار واشنطن يظل عملية مفتوحة لإدارة الأزمات والتحرك التدريجي، في انتظار نضج الشروط السياسية والدبلوماسية التي تسمح بالعودة الرسمية إلى طاولة المفاوضات وتحويل الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية إلى اتفاق سياسي نهائي.

مواقف متباينة

من جانبها، سجلت مينة لغزال، منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، أن شح المعلومات المتداولة بشأن مخرجات اجتماع العاصمة الإسبانية مدريد وامتناع المسؤولين الأمريكيين والأمميين وممثلي الدول الأطراف عن الإدلاء بتصريحات رسمية يعكسان طبيعة المرحلة الدقيقة التي تمر بها العملية السياسية الجارية.

وأضافت لغزال، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن غياب المعطيات العلنية لا يعني بالضرورة غياب دينامية تفاوضية؛ بل يرتبط بمحاولة الإدارة الأمريكية تدبير مواقف متباينة، وأحيانا متناقضة، للأطراف الرئيسية المنخرطة في المفاوضات، وهو ما يطرح تحديات حقيقية أمام المفاوضين الأمريكيين والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستافان دي ميستورا.

وأكدت الناشطة الحقوقية أن الوفد المغربي يشتغل بولاية تفاوضية واضحة تستند إلى اعتبار سيادة المملكة على الصحراء مسألة تاريخية وقانونية وجغرافية غير قابلة للنقاش، مع إبداء مرونة بخصوص آليات الحكم الذاتي وسبل تنزيله وضمانات استدامته، بما يمنحه موقعا تفاوضيا قويا داخل أي مسار سياسي يضع احترام الوحدة الترابية للدول في صدارة الأولويات.

كما عرجت المصرحة على أن تفويض ممثلي جبهة “البوليساريو” يظل محدودا، ولا يتجاوز في جوهره الاستراتيجية الجيوسياسية للجزائر باعتبارها البلد المضيف لمخيمات تندوف، فضلا عن الجمود الإيديولوجي الذي يطبع مواقف قيادة التنظيم الانفصالي؛ وهو ما ينعكس سلبا على قدرتهم على التفاعل الإيجابي مع منطق التسوية.

وعن دور الوسطاء، أوردت لغزال أن الولايات المتحدة، رغم اقتصار ولاية الميسرين والمبعوث الأممي على تسهيل العملية السياسية، توظف نفوذا دبلوماسيا لتوجيه الأطراف نحو الحل، مستثمرة شراكتها الاستراتيجية مع المغرب وحوارها الأمني مع الجزائر، بهدف تفادي أي تصعيد إقليمي محتمل.

ولفتت المتحدثة الانتباه إلى أن أجواء التكتم التي تحيط بالمشاورات والتحضير الماراطوني للقاءات الأطراف لا يمكن فصلها عن مقتضيات قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي يحمّل جميع الأطراف مسؤولية الانخراط الجاد في التوصل إلى حل سياسي سلمي ونهائي لنزاع طال أمده؛ وهو ما دفع الأمم المتحدة، على لسان ستيفان دوجاريك، إلى التأكيد على أن مفاوضات واشنطن تشكل تنزيلا عمليا لهذا القرار.

وخلصت مينة لغزال إلى أن المسار السياسي الحالي بات مؤطرا بشكل حصري بأحدث قرارات مجلس الأمن؛ وفي مقدمتها القرار رقم 2797، الذي يدعو إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم ومقبول، مشددة على أن هذا الإطار يمثل تحولا جذريا عن نموذج الاستفتاء الذي ساد في تسعينيات القرن الماضي وأثبت فشله، في اتجاه مقاربة تقوم على التوافق والواقعية السياسية، بدعم من مجموعة أصدقاء الصحراء التي تضم الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة وروسيا وإسبانيا، في أفق ترجيح مبادرة الحكم الذاتي كخيار وحيد قابل للتطبيق.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا