قال المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز إن “المركزية الأوروبية للكون” بدأت تنتشر وتتضخم عند الأوروبيين منذ القرن السابع عشر، وتمظهرت في خطاب عنصري فج تنمّى ابتداء من خطابات مفكرين من بينهم مونتيسكيو ونظرته إلى الإسلام، وكتابات فولتير عن النبي؛ وهو ما تضخّم مع إيمانويل كانط وخطابه العنصري الفج المنطلق من مركزية الرجل الأبيض ودونية الآخرين، وصولا إلى هيغل… وهي أفكار استعلائية وتمييزية “استبطنتها السياسات الأوروبية وأعادت إنتاجها، مما نشأت عنه نزعة الاستعلاء الأوروبي على باقي الشعوب”.
جاء هذا في لقاء أداره الإعلامي ياسين عدنان مع المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز، في “بودكاست في الاستشراق” على “منصة مجتمع”، حيث بيّن أن هذا الاستعلاء هو ما دفع “المستشرق إلى اعتبار أن هو من له حق كتابة تاريخ كل الحضارات”، ثم استدرك قائلا: “لكن، هناك أبعاد علمية في الاستشراق، علينا ألا نذهل عنها”.
وقابل بلقزيز بين مرحلتين مختلفتين، بين النظرة الأوروبية إلى الإسلام في القرن التاسع عشر، وبين نظرة السينويين (المتأثرون بابن سينا) والرشديين (المتأثرون بابن رشد) اللاتين (اللاتينيين) إلى العربي والمسلم بعد القرن الرابع عشر. وقد كانت “نظرة تلميذ إلى أستاذ، مكنهم من مواجهة الكنيسة، وحل إشكالات العلاقة بين العقل والفلسفة والعقل والدين، ولا يمكن فهم اسبينوزا مثلا دون ابن رشد (…) وهي نظرة مختلفة إلى المستشرق الذي صار يعتبر نفسه المعلم الذي يروي، وله حق كتابة التاريخ الثقافي للمسلمين والعرب”.
وفسر بلقزيز هذا بأن “فترة التلمذة الأوروبية للعرب والمسلمين كانت فيها الأصول اليونانية لم تترجم بعد، فكانوا يعودون إلى الشروح العربية واعتبروا أنهم تحرروا منها بعد الترجمة، ثم حمل الاستشراق الأوروبي في نشأته لوثة المركزية في الكون، والفكر الغربي والأوروبي لا يزال يحملها إلى اليوم”.
وحول فترة ما قبل الاستشراق، ذكر بلقزيز أن “الإبستيم الديني هو نظام من التمثلات والمعرفة، كان سائدا في ما قبل العصر الحديث، ومبناه على حاكمية النظر الديني في الأشياء (…) ومن كانوا يتناولون الإسلام بالنظر كانوا يقومون بذلك من منطلق معيارية المسيحية، وبها يحكم على بطلان معتقد أو صحته، وهكذا حُكم على الإسلام. ولم يكن بعدها ثقافيا أو لفهم قيمه، والمعرفة اللاهوتية بالإسلام في هذه المرحلة كانت محكومة بهذا الابستيمي”.
ونبّه المفكر المغربي إلى 1120 عاما “تُتجاهل قبل الاستشراق، وهي تاريخ المعرفة المسيحية القديمة والوسطى والإسلام”، التي هي مهمة “لنعرف ما بينها وما بين الاستشراق من تشابهات وتمايزات”؛ بينما “المستشرقون الأُوَل كانوا عمليا علمانيين، خارج المؤسسة الدينية، وكل الأديان تستوي في نظرهم”.
وزاد ضيف منصة “مجتمع”: “الاستشراق لم ينبثق من لا شيء؛ لكن الممهدات له ليست المعرفة اللاهوتية، بل أعمال كبرى لمستشرقين درسوا العربية، مثل توماس أربينيوس وإدوارد بوكوك. وهنا لم يكن المجال مجال مساجلة مع الإسلام، وهو نتاج مطبخ معرفي جديد يزاحم الكنيسة في آرائها، ومحاضنه غير محاضن تكوين الكهان، وهو ما مكن من انبثاق ابستيمي جديد.
ونبه بلقزيز إلى أنه “ليس ميالا إلى وجود قطائع في المعرفة”. ولذلك، يقول إن “الاستشراق يجمع لحظتين؛ فهناك لا شعور معرفي يستمر في الثقافات، ولا تتحرر منه بسهولة… دون إدراك أنه من حقبة اندرست وانصرمت”.
وتابع: “في مجتمع المستشرقين عدد لا حصر له من اللاهوتيين ويعسر عليهم التحرر من المعرفة الدينية الموروثة، وهناك استشراق معرفي واستشراق إيديولوجي ممأسس، والتيار الإيديولوجي لا يتورع استخدام كل الوسائل للإساءة إلى موضوعه، بما في ذلك إعادة إنتاج ما كتب عنه سابقا، كما أن هناك من حمل قضية الاستعمار للحط من ما تعتقده المجتمعات التي يريد استعمارها”.
وميز عبد الإله بلقزيز في فترة ما قبل الاستشراق بين صورتين عن الإسلام في الكتابات المسيحية المشرقية، هي صورة دين يشيطن كما فعل يوحنا الدمشقي، ودين ينظر إليه توحيديا مع اختلافات ومشتركات، مثل ثيودور أبي قرة وعبد المسيح الكندي.
وواصل: “البيزنطيون لما تجاوزوا مرحلة الصدمة في المعارك مع المسلمين، واستتبت الهدنة والحدود، بدأت بيزنطة اكتشاف إسلام آخر عبر الرعيل الأول من المسيحيين المشرقيين، والعلاقات التجارية كذلك، فصار المسلمون حلفاء (…) وفي الحقبة اللاتينية في آخرها بين القرن الرابع عشر والقرن السادس عشر، ستنتقل هذه الرؤية إلى المسيحية اللاتينية، خاصة وقد نشأت في قلب أوروبا في القرن الثالث عشر مدارس سينوية ورشدية، ونظرت إلى العرب بوصفهم أمة فلسفية (…) وانتبهت إلى الإسلام الثقافي”.
المصدر:
هسبريس