كشفت دراسة رسمية أنجزتها اللجنة الدائمة للمناهج والبرامج والتكوينات والوسائط التعليمية لدى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي أن الأزمات التي عاشها المغرب خلال السنوات الأخيرة عرّت مجموعة من الهشاشات المؤسساتية التي تعيق صمود المنظومة التربوية خلال هذه الظرفيات، مشيرة إلى أن “مركزية القرار تحد أحيانا من سرعة الاستجابة الترابية”.
الدراسة المعنونة بـ”صمود المنظومة التربوية المغربية.. ضمان الحق في الاستمرارية البيداغوجية وجودة التعلمات في سياق الأزمات-التعليم المدرسي”، التي جرى تقديمها اليوم الثلاثاء في ندوة صحافية بمقر المجلس من قبل رئيسة اللجنة أمينة لمريني الوهابي، هدفت إلى تحليل مدى قدرة صمود المنظومة التربوية لمواجهة الأزمات الأخيرة، لا سيما جائحة كوفيد-19 وزلزال الحوز، والتوترات الاجتماعية الممتدة، في إشارة لإضراب هيئة التدريس خلال “الحراك التعليمي”، وكذا آثارها على ضمان الحق في تعليم جيد ومنصف.
وقد استندت الدراسة إلى بحث ومقابلات ميدانية مع مختلف الفاعلين مركزيا وجهويا ومحليا، مع حضور صوت المتمدرسين، وذلك في أربع جهات بالأساس هي: الرباط-سلا-القنيطرة، طنجة-تطوان-الحسيمة، بني ملال-خنيفرة، ومراكش-آسفي.
ومن بين “الهشاشات المؤسساتية” التي كشفت عنها الأزمات وتوقفت عندها الدراسة، “ضعف التخطيط الميكروي لا سيّما التخطيط الترابي الدقيق”، و”غياب أنظمة مسبقة ثابتة لضمان الاستمرارية”، بالإضافة إلى “محدودية توثيق التجارب السابقة وتحويلها إلى ذاكرة مؤسساتية”.
وخلصت الدراسة في هذا الصدد إلى أن “المنظومة التربوية المغربية قادرة على التفاعل مع الأزمات”، مستدركة بأنها “لا زالت غير قادرة على استبقاها بشكل أكبر”، بما يتيح التفاعل معها بقدر أكبر من الفعالية.
أما في ما يتعلّق بالمناهج الدراسية، فتوقفت الدراسة عند كشف الانقطاعات الطويلة عن نقاط ضعف عدة، من أبرزها “محدودية تكييف المحتويات التعليمية بسرعة”، حيث إن المناهج “غير مرنة وغير ملائمة لسياقات الأزمات”.
أكثر من ذلك، لفت الإسهام العلمي نفسه إلى “غياب رؤية واضحة للتعليم الهجين والتعليم عن بعد”، مع غياب إطار واضح يحدد الأولويات الوطنية بخصوص التعلمات الأساسية، فضلا عن “محدودية
وعرّت الدراسة نفسها هشاشات مجالية شتى كذلك؛ فقد أبانت الأزمات المدروسة عن “تفاوت كبير في الولوج إلى الوسائل الرقمية”، مع “قدرة متفاوتة للهياكل المحلية على الاستجابة”، وصولا إلى “ضعف التنسيق بين المؤسسة التعليمية والجماعات الترابية والفاعلين المحليين”.
في سياق آخر، تطرّقت الدراسة إلى هشاشات مجتمعية، حيث وجدت أنه خلال الأزمات تبرز “تعبئة غير كافية للجماعات الترابية”، مع تسجيل “اضطراب” في جودة العلاقات الشخصية داخل الجماعات.
وأشارت رئيسة اللجنة مُعدة الدراسة إلى “عدم كفاية” دور الجماعات الترابية في المنظومة التربوية بشكل عام، قائلة: “حينما ستلعب دورا أكبر بالنسبة للمدرسة ككل (بصرف النظر عن الظرفية) سوف يكون دورها حاسما خلال فترات الأزمات”.
وشدّد المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي على أنه “لا يمكن أن يقوم الصمود فقط على التضامن غير الرسمي أو المبادرات المحلية الظرفية”، موضحا أنها “تتطلّب توضيحا مسبقا للأدوار وتنسيقا ممأسسا بين المدرسة والجماعات الترابية والفاعلين المحليين”.
على صعيد آخر، رصدت الدراسة تأثير الأزمات المدروسة على الصحة النفسية للتلاميذ والصحة النفسية للفاعلين التربويين، وكذلك على المناخ المدرسي والعلاقة بين المدرسة والأسرة.
وكشفت أصوات المتعلّمين، المستمع إليها، عن “حاجة قويّة إلى التقدير، والدعم والاستقرار”.
كما أبانت الأزمات المتعاقبة عن “هشاشة بعض البنى التحتية المدرسية”، و”ضعف التجهيزات الرقمية”، وغياب تصور يؤطر التعليم الهجين بشكل كامل.
وخلصت البطاقة التقديمية للدراسة إلى أن “الصمود انطلق، لكنه يجب أن يتحوّل إلى قدرة مستقرة تقوم على تأطير مؤسساتي، وقيادة واضحة، وتوطين ترابي، لا أن تبقى مجرد استجابة عرضية مرتبطة بالظروف”.
تجدر الإشارة إلى أن الدراسة اعتمدت على مقاربة نسقية للصمود متمفصلة على ثلاثة مستويات. أولها القدرة على الاستيعاب، حيث تمثل الصمود الفوري من خلال ضمان الحد الأدنى من الاستمرارية التعليمية أثناء الأزمة.
أما المستوى الثاني، فهو القدرة على التكيف، حيث يبرز الصمود التكيفي من خلال تعديل بعض الوسائل والمحتويات وأنماط التعليم حسب الظروف دون المساس بالعناصر البنيوية.
ويتمثّل المستوى الثالث في تمثل الصمود التحويلي من خلال إدماج الدروس المستخلصة من الأزمات لتعزيز المنظومة التعليمية بشكل مستدام عبر إحداث تحول عميق ونسقي في عناصرها البنيوية.
المصدر:
هسبريس