آخر الأخبار

جمهورية المسرح (3).. بومدين وتحويل الجزائر لبروسيا المغرب، تصفية رفاق الثورة والتقشف بسيجار كوبي

شارك

هبة بريس – شفيق عنوري

في 17 يونيو 1965، خرج أحمد بن بلة لينفي بشكل قاطع، في خطاب موجه للشعب على هامش تدشين محطة لتقوية الإذاعة الوطنية ببلعباس، ما راج في الصحافة عن وجود خلاف حاد بينه وبين وزير دفاعه هواري بومدين. بعد يومين فقط، فجر 19 يونيو، تحركت الدبابات، وأُعلن عن “التصحيح الثوري”.

الانقلاب العسكري

التحول كان سريعاً وحاسماً. بومدين، الذي كان يشغل منصب نائب رئيس الوزراء مع احتفاظه بحقيبة الدفاع منذ الاستقلال، أنهى حكم بن بلة بعملية عسكرية خاطفة، واضعاً بذلك حداً لأول تجربة حكم بعد الاستقلال، ومفتتحاً مرحلة جديدة عنوانها: الحديد والدم.

وفق ما رواه محي الدين عميمور في كتابه “أيام مع الرئيس هواري بومدين”، كان الرجل كثير السهر، يصل متأخراً دائما إلى مكتبه صباحاً إلا إذا كان مرتبطاً بموعد رسمي. كان يستمع إلى مراجعة خطبه الرسمية، بما فيها تلك المتعلقة بالتقشف والاشتراكية الجزائرية، وهو يشعل سيجاره الكوبي الفاخر.

من “الشرعية الثورية” إلى شرعية القوة

في دراسة صادرة عن معهد الإعلام والاتصال بجامعة الجزائر، يرى أحمد بن مرسلي أن بومدين سار على نهج سلفه في تحييد خصومه لتدعيم موقعه داخل أجهزة الدولة. فمنذ 1963، ومع استقالة محمد خيضر من المكتب السياسي احتجاجاً على رفض إخضاع الجيش للسلطة المدنية، بدأ ميزان القوة يميل أكثر نحو المؤسسة العسكرية.

ويشير الباحث إلى أن بومدين عمل على تعزيز حضوره السياسي عبر بناء شبكة علاقات داخل مؤسسات الدولة، مستفيداً من تعيين عدد من الوجوه الطلابية السابقة في مناصب سياسية بعد الاستقلال. ومع تصاعد التوتر بينه وبين بن بلة، خاصة بعد إبعاد عناصر محسوبة عليه، أخذ خيار الحسم بالقوة يتبلور.

وفي 19 يونيو 1965، تم تنفيذ الانقلاب بدعم من قادة النواحي العسكرية، وبمساندة أجهزة الأمن الوطني والدرك، ليعلن بومدين، في وجه الجزائريين الذين خرجوا في مجموعة من المدن لاستنكار وإدانة ما حدث والدعوة لعودة الرئيس الشرعي، أن ما جرى ليس انقلاباً، بل “تصحيحاً ثوريا” لمسار الثورة.

“بروسيا المغرب”.. دولة الجيش

في كتاب “تاريخ الجزائر بعد الاستقلال” ينقل المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا، أن بومدين كان يحلم بتحويل الجزائر إلى “بروسيا المغرب”، في إشارة إلى الدول العسكرية القوية التي تُبنى على الانضباط الصارم، والمركزية الشديدة والقيادة الحازمة التي تفرض الوحدة بالقوة.

ووفق ما جاء في كتاب المؤرخ الفرنسي، الذي ترجمه صباح ممدوح كعدان، لم يكن بومدين يكن تقديرا كبيرا لـ”جبهة التحرير الوطني”، لأنه بات يعتبرها جسداً فقد روحه، مقابل رهانه على الجيش، الذي أصبح عماد النظام، وأُسندت مفاصل الدولة إلى مجلس الثورة.

خلال هذه المرحلة، تراجع حضور الوجوه التاريخية للثورة، حيث اغتيل محمد خيضر في مدريد سنة 1967، وعُثر على كريم بلقاسم ميتاً في فندق بفرانكفورت سنة 1970، فيما عاش حسين آيت أحمد ومحمد بوضياف سنوات طويلة في المنفى، بعد محاولات لتنظيم معارضة للنظام من الخارج.

تفكك “جماعة وجدة”

لم يقف بومدين حسب الكتاب نفسه عند اغتيال وجوه الثورة التاريخيين، بل وجه “مدفعيته” نحو رفاقه في مجموعة وجدة، الذين ساهموا في صعوده ووصوله إلى السلطة، حيث بدأ التكتل يتفكك تدريجيا. أُقيل قايد أحمد، وتوفي وزير الداخلية أحمد مدغيري سنة 1974 في ظروف غامضة، قيل إنها انتحار.

لم يبق من قادة مجموعة وجدة والمتحالفين معها لاحقا، سوى عبد العزيز بوتفليقة، الذي احتفظ بحقيبة الخارجية لسنوات طويلة، بينما تقلص عدد أعضاء مجلس الثورة من 26 عضواً عند تأسيسه إلى 12 فقط بعد عقد من الزمن، بعدما أُقصي معظم المؤسسين لصالح إداريين ومسؤولين جدد.

تكريس الدولة الاستبدادية

يخلص ستورا إلى أن أبرز ما طبع النظام الذي تأسس بعد 19 يونيو 1965 هو ترسيخ الطابع الاستبدادي للدولة، المعتمدة على الجيش وأجهزة الأمن، وهي سيرورة مرت بمراحل متعددة، لكنها حافظت على جوهر واحد: مركزية القرار، وضعف التعدد، وهيمنة المؤسسة العسكرية على الحياة السياسية.

بهذا، انتقلت “جمهورية المسرح” من مشهد صراع الإخوة سنة 1962، مروراً بـ”عقلية الثورة في قيادة الدولة” ووصولا إلى مشهد “التصحيح” سنة 1965، حيث أُسدل الستار على أول رئيس للجمهورية، واعتلى وزير دفاعه الخشبة منفرداً، معلناً بداية فصل رسم ملامح الجزائر المستقلة إلى اليوم.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا