منذ عام 2024، دخلت مجموعة “هولماركوم” حقبة جديدة من التحول الاستراتيجي. فبين الاستحواذ على حصة الأغلبية في بنك “مصرف المغرب” (Crédit du Maroc)، ودخول شريك مالي دولي في عام 2025، والدينامية القوية لشركاتها المدرجة في البورصة، استعادت هذه المجموعة العائلية موقع الصدارة في المشهد الاقتصادي. فبعد أن كانت معروفة طويلا بكونها فاعلا كتوما وقليل الظهور إعلاميا، باتت المجموعة التي يقودها محمد حسن بنصالح تفرض نفسها اليوم كواحد من أهم الأقطاب الرئيسية في القطاع المالي الوطني.
وبتحولها إلى المساهم الرئيسي في “مصرف المغرب”، نجحت “هولماركوم” في تجاوز عتبة استراتيجية فارقة؛ إذ يمثل هذا التحول انتقالا من دور “المستثمر” إلى دور “الفاعل البنكي” من الدرجة الأولى، مما يعزز نفوذها في تمويل الاقتصاد وتوجيه القطاع المصرفي.
وتعزز هذا المسار في عام 2025 بدخول مؤسسة التمويل الدولية (IFC)، التابعة لمجموعة البنك الدولي، في رأس مال هولدينغ المجموعة المالي. وهي شراكة تكرس معايير الحكامة داخل المجموعة، وتعزز مصداقيتها المؤسساتية، وتدعم طموحاتها التوسعية في القارة الإفريقية.
ولم تتأخر الأسواق المالية في استيعاب هذه التحولات؛ حيث سجلت الأسهم المرتبطة بنطاق “هولماركوم”، لاسيما في قطاعي البنوك والتأمين، تحركات ملحوظة في بورصة الدار البيضاء. فمن ارتفاع أحجام التداول إلى صعود الأسعار وعودة اهتمام المستثمرين، كلها مؤشرات تعكس التركيز المتزايد على القطب المالي للمجموعة.
ملف “BMCI” وكواليس صفقة كبرى
في هذا السياق، يبرز مشروع الاستحواذ على بنك “البنك المغربي للتجارة والصناعة” (BMCI) من مجموعة “بي إن بي باريبا” (BNP Paribas) كواحد من أكثر الملفات حساسية. وتهدف المباحثات الحصرية بين الطرفين إلى تعزيز الحضور البنكي لـ “هولماركوم” بشكل أكبر بعد دمج “قرض المغرب”. وفي حال إتمام الصفقة، ستشكل خطوة مفصلية نحو بناء قطب مالي مرجعي على الصعيد الوطني.
ولقيادة هذا المشروع، استعانت المجموعة بجهاز استشاري رفيع المستوى؛ حيث شُكلت “غرفة عمليات” (War Room) دولية تضم “جي بي مورغان” (J.P. Morgan) للإدارة المالية، و”بين آند كومباني” (Bain & Company) للاستراتيجية، بالإضافة إلى “إي واي” (EY) و”كي بي إم جي” (KPMG) لعمليات التدقيق والامتثال التنظيمي. وحتى الآن، لم يتم الكشف عن المبلغ النهائي أو اسم المكتب القانوني الرئيسي، وهو ما يعكس تعقيد الملف وصرامة المعايير المفروضة من قبل السلطات والأسواق.
وبعيدا عن هذه العملية، ترتكز استراتيجية “هولماركوم” على منطق التكامل التدريجي، حيث يعد التقارب بين البنوك والتأمين أحد روافع نموها الرئيسية. ومن خلال تطوير “التأمين البنكي” (Bancassurance)، تسعى المجموعة إلى تحسين شبكاتها وإغناء عرضها وتعزيز ولاء زبنائها، مراهنة على خلق قيمة مستدامة بدلا من العمليات الظرفية.
مجموعة مهيكلة ومتطلعة للمستقبل
تأسست مجموعة هولماركوم سنة 1978 على يد الراحل عبد القادر بنصالح، وانطلقت منذ بدايتها في بناء نموذج اقتصادي قائم على التنويع التدريجي والمدروس. فقد توسعت أنشطتها على مراحل لتشمل قطاعات التمويل، التأمين، الصناعات الغذائية، التوزيع واللوجستيك، وهو ما مكنها من ترسيخ حضورها داخل النسيج الاقتصادي الوطني وتجاوز مختلف الدورات الاقتصادية، مع الحفاظ على قدر معتبر من الاستقرار على المدى الطويل.
واليوم، تقوم هيكلة المجموعة على أقطاب استراتيجية واضحة المعالم، في مقدمتها القطب المالي الذي يشكل ركيزة أساسية في نشاطها. ويضم هذا القطب كلا من مصرف المغرب إلى جانب شركة التأمين أطلنطا سند، ما يعزز تموقعها داخل سوق الخدمات المالية ويمنحها وزنا مؤثرا في قطاعي البنكي والتأميني.
أما القطب الغذائي، فيرتكز أساسا على شركة مياه أولماس المعدنية، التي تعد من أبرز الفاعلين في سوق المياه المعدنية بالمغرب، وتشكل دعامة أساسية في استراتيجية المجموعة الرامية إلى تعزيز حضورها في الصناعات الاستهلاكية.
وإلى جانب هذين القطبين، تنشط “هولماركوم” في مجالات أخرى تشمل الخدمات واللوجستيك، فضلا عن مشاريع استثمارية مستهدفة يتم اختيارها وفق رؤية تقوم على تنويع المخاطر وتعزيز التكامل بين مختلف الأنشطة، بما يكرس موقعها كأحد التكتلات الاقتصادية متعددة الاختصاصات في المملكة.
وتسمح هذه الهندسة بتبادل الخبرات والانسجام العملياتي، في وقت أصبح فيه التحديث رهانا مركزيا، يشمل الرقمنة، الأمن السيبراني، والتكيف مع الاستخدامات الجديدة، وهي أوراش تشرط التنافسية المستقبلية للمجموعة.
بالتوازي مع ذلك، تحتل إفريقيا مكانة متزايدة في الرؤية الاستراتيجية لـ “هولماركوم”. فالمجموعة، المتواجدة أصلا في عدة دول، تعتزم تعزيز حضورها الإقليمي. وتهدف الشراكة مع المؤسسة المالية الدولية بشكل خاص إلى دعم تمويل المقاولات الصغرى والمتوسطة وتطوير حلول ملائمة للأسواق المحلية.
وبفضل ثقلها في قطاعات حيوية، فرضت “هولماركوم” نفسها كفاعل مهيكل للاقتصاد المغربي. ومع متانة أسسها وشراكاتها القوية، تملك المجموعة اليوم الأدوات اللازمة لمواكبة تحديث النظام المالي وتوسيع نطاق الشمول الاقتصادي. ورغم تحفظها في التواصل، إلا أنها تمضي بعزيمة في استراتيجيتها، لتؤكد مكانتها كأحد ركائز الريادة الاقتصادية الإقليمية.
المصدر:
العمق