آخر الأخبار

حين تقاس المسافات بالسنوات.. مغاربة يعيشون على ضوء الشموع وينتظرون “طريق الحياة”

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في أعالي جبال الأطلس، حيث تمتد دواوير تابعة لجماعتي أيت محمد وتابانت بإقليم أزيلال، لا تُقاس المسافات بالكيلومترات فقط، بل بسنوات من الانتظار. هنا، تتجسد عبارة “مغرب السرعتين” التي وردت في خطاب العرش الأخير لل ملك محمد السادس في تفاصيل يومية بسيطة: طريق متشققة، ظلام ممتد، وأطفال يسابقون البرد للوصول إلى مدارسهم.

عند مدخل دوار ومننت، تبدو الطريق كأنها خط مرسوم على عجل في تضاريس وعرة. مقطع مهترئ، تتجنبه سيارات النقل خوفا من الأعطاب، لكنه يظل المنفذ الوحيد لأكثر من مائة وأربعين منزلا موزعة على أربعة دواوير متجاورة. كل بيت هنا يضم أكثر من أسرة، وكل أسرة تحمل حكاية معاناة مع التنقل والعلاج والدراسة.

حلم مؤجل

في الصباح الباكر، يغادر الأطفال منازلهم قبل شروق الشمس. يقطعون مسافات قد تمتد إلى ساعتين مشيا على الأقدام للوصول إلى المدرسة الابتدائية. وحين تتساقط الثلوج، تصبح الطريق حلما مؤجلا، وتتحول الدواب إلى وسيلة النقل الوحيدة. المرضى يُحملون على الأكتاف حتى أقرب نقطة يمكن أن تصل إليها سيارة إسعاف، وكبار السن يمتطون الحمير لقضاء حاجياتهم في السوق الأسبوعي.

مصدر الصورة

مع غروب الشمس، تنطفئ الحياة باكرا. الكهرباء لم تصل بعد إلى هذه الدواوير رغم مطالب تعود إلى أكثر من خمسة عشر عاما. يعتمد السكان على تجهيزات محدودة للطاقة الشمسية، لكنها تخذلهم في الشتاء حين تغيب الشمس لأيام. يعود المشهد الذي ظنه كثيرون جزءا من الماضي: تلاميذ ينجزون واجباتهم على ضوء الشموع، وأسر تتقاسم وهج مصباح صغير لتدبير شؤونها اليومية.

شريان متهالك

الطريق المؤدية إلى هذه الدواوير مقطع مهترئ ومتصدع، أنهكه الإهمال، ويرفض عدد من أصحاب وسائل النقل المرور عبره خوفا على مركباتهم. ورغم حالته المتدهورة، يظل الشريان الوحيد الذي يفك العزلة عن أكثر من 145 منزلا موزعة على أربعة دواوير متجاورة، تضم كل واحدة منها ما لا يقل عن ثلاث أسر، ما يعني أن مئات المواطنين يواجهون يوميا صعوبات كبيرة في التنقل.

السكان يؤكدون أنهم لم يستفيدوا من أي تدخل فعلي، ويشيرون إلى أن المرضى يُحملون على الأكتاف للوصول إلى سيارات الإسعاف المتوقفة بعيدا عن الدواوير بسبب وعورة المسالك. وفي حالات كثيرة، يتم نقل كبار السن والمرضى عبر الدواب إلى أقرب نقطة معبدة.

إحدى السيدات في عقدها السابع، تضطر إلى امتطاء حمارها للتوجه إلى السوق الأسبوعي، في ظل غياب أي وسيلة نقل عمومية. ويؤكد عدد من السكان ضمن تصريحات متطابقة لجريدة “العمق المغربي”، أن مستثمرا كان يتوفر على رخصة للنقل المزدوج عبر المنطقة توقف عن العمل بسبب تدهور الطريق، معتبرا أن الاستمرار في المرور منها يعرض مركبته لأعطاب متكررة.

عزلة شتوية

خلال فصل الشتاء، تتحول المعاناة إلى عزلة شبه تامة. تساقطات الثلوج تقطع الطريق أحيانا لأكثر من شهرين، دون تدخل منتظم لآليات إزالة الثلوج. ويضطر السكان إلى فتح الممرات بشكل يدوي، باستعمال وسائل بسيطة، في انتظار تحسن الأحوال الجوية.

ويؤكد السكان في تصريحات متفرقة لجردية “العمق” أن غياب الطريق المعبدة يحرمهم من خدمات أساسية، في مقدمتها النقل المدرسي، ما يفاقم معاناة التلاميذ الذين يقطعون مسافات طويلة سيرا على الأقدام، قد تصل إلى ساعة ونصف أو ساعتين يوميا للوصول إلى المدرسة الابتدائية، في ظروف مناخية قاسية.

مصدر الصورة

إلى جانب الطريق، يطرح ملف الكهرباء نفسه بإلحاح. منذ سنة 2009، حسب شهادات محلية، يطالب السكان بربط دواويرهم بالشبكة الكهربائية، دون أن يتحقق ذلك إلى حدود اليوم. ويعتمد عدد منهم على تجهيزات محدودة للطاقة الشمسية، غير أنها تبقى غير كافية، خصوصا في فصل الشتاء حين تغيب الشمس لأيام متتالية.

هذا الوضع يعيد مشاهد الدراسة على ضوء الشموع، حيث ينجز التلاميذ واجباتهم المدرسية في ظروف صعبة، بعد انقطاع مصدرهم الوحيد للكهرباء. كما أن محدودية الطاقة الشمسية لا تسمح بتشغيل الأجهزة الأساسية بشكل مستمر، ما يحرم الأسر من أبسط شروط العيش الكريم.

خدمات غائبة

رغم ذلك، لا يخلو المشهد من تضامن صامت. حين يتعذر المرور، يتقاسم السكان وسائلهم التقليدية، ويقدمون يد العون لكل وافد أو مريض أو تلميذ. غير أن روح التضامن، مهما بلغت قوتها، لا يمكن أن تعوض غياب البنيات التحتية الأساسية.

في هذه القرى الجبلية، تبدو التنمية مفهوما مؤجلا. الطريق ليست مجرد إسفلت، بل شرطا للنقل المدرسي، ولولوج سيارة الإسعاف، ولتحريك عجلة الاقتصاد المحلي. والكهرباء ليست رفاهية، بل مدخلا للتعليم والصحة والعيش الكريم.

هكذا تستمر الحياة في دواوير أيت محمد وتابانت بإيقاع مختلف عن باقي الوطن؛ إيقاع تحكمه الطبيعة القاسية وسياسات تنموية لم تنصف المجال الجبلي بعد. وبينما تتقدم مناطق أخرى بخطى سريعة، ما تزال هذه القرى تنتظر نصيبها من الضوء… وطريقا تقودها إلى مغرب لا يترك أحدا خلفه.

غياب الطريق والكهرباء ينعكس مباشرة على باقي الخدمات. فلا نقل مدرسي منتظم، ولا تغطية صحية قريبة، ولا استجابة سريعة لسيارات الإسعاف في الحالات المستعجلة. كما يشكو السكان من غياب الإنارة العمومية وضعف الولوج إلى الماء الصالح للشرب في بعض الفترات.

مصدر الصورة

ويؤكد متحدثون من الساكنة أن مطلبهم الأساسي يتمثل في تهيئة الطريق باعتبارها مدخلا لباقي الخدمات، مشيرين إلى أن أي تدخل تنموي يظل محدود الأثر في ظل استمرار العزلة.

واقع دواوير أيت محمد وتابانت يطرح بإلحاح سؤال العدالة المجالية والفوارق بين المركز والهامش. فبينما تعرف مناطق عدة مشاريع بنيوية كبرى، ما تزال هذه القرى الجبلية تنتظر أبسط مقومات الحياة اليومية.

السكان يطالبون بتدخل مستعجل يضع حدا لعقود من التهميش، معتبرين أن التنمية لا تكتمل إلا بشمولها لكل المناطق، وأن ربط هذه الدواوير بالبنيات التحتية الأساسية ليس ترفا، بل حقا دستوريا يضمن الكرامة وتكافؤ الفرص.

في انتظار ذلك، تستمر الحياة هنا بإيقاع بطيء، على ضوء الشموع، وعلى طرقات متصدعة، في صورة تختزل فجوة تنموية لا تزال تبحث عن جسر يعبر بها نحو مغرب يشمل جميع أبنائه.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا