أكدت راضية سامي، الأستاذة بالمدرسة العليا للتربية والتكوين بجامعة محمد الأول في وجدة، أن انتقال اللغة الأمازيغية من جيل إلى آخر لا يقتصر على مجرد تعلم الكلمات، بل يشمل استراتيجيات ثقافية واجتماعية دقيقة تحافظ على هوية الشعب الأمازيغي في مواجهة التحديات اللغوية والسياسية.
وقالت الباحثة سامي، أمس الأربعاء في ندوة علمية نظمها المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، إن اهتمامها بهذا الموضوع انطلق من ملاحظتها لتغير اللغة عبر أربع أجيال في عائلتها، حيث كانت الجيل الأول أحادي اللغة في الأمازيغية، في حين أصبح الجيل الرابع يعتمد بشكل شبه كامل على الدارجة المغربية، مع فقدان تدريجي لتاشلحيت، موضحة أن هذه الظاهرة ليست محلية فحسب، بل تتكرر في الشتات، خاصة بين المغاربة في فرنسا، حيث اللغة الفرنسية تتفوق على الأمازيغية في معظم الممارسات اليومية.
واعتمدت المتحدثة على منهجية علمية مزدوجة شملت أدوات كمية ونوعية، بدءا من توزيع استبيانات في مدينة تزنيت والمناطق المحيطة بسوس، وصولا إلى استخدام نماذج إلكترونية لجمع البيانات من العائلات في منطقة “إيل دو فرانس”. كما أضافت مقابلات شبه موجهة وملاحظة مشاركة، مع اختبارات لغوية لتقييم المهارات في الشلحية عبر مختلف الجوانب: المعجم، والصوتيات، والبناء النحوي.
وشملت الدراسة ست عائلات ثلاثية الأجيال، منها ثلاثة في المغرب وثلاثة في فرنسا، بمجموع 38 شخصا، حيث تم تحليل قصصهم الحياتية لتحديد مدى إدماج اللغة الأمازيغية في حياتهم اليومية، ورصد التحديات التي تواجههم، مثل الضغط الاجتماعي المحيط واختلاط الثقافات في الشتات.
وأظهرت نتائج الدراسة أن الجيل الأول يعتمد بشكل شبه كامل على الشلحية، في حين يميل الجيل الثالث إلى استخدام لغات متعددة، والجيل الرابع يظهر ميولا قوية نحو الدارجة والفرنسية، مؤكدة أن العائلات تتبنى استراتيجيات مختلفة للحفاظ على اللغة: من استخدام الشلحية حصريا في المنزل، إلى ترجمة الكلمات أو استخدام الألعاب والرحلات لتعزيز التعلم اللغوي.
ولفتت الباحثة الأمازيغية إلى أن الوعي المجتمعي بمكانة الأمازيغية في المغرب قد تحسن نتيجة الاعتراف الدستوري والسياسات اللغوية الجديدة، لكن التحديات تبقى قائمة في البيئات الحضرية أو في الشتات، حيث اللغة الأمازيغية غالبًا ما تكون أقل استخدامًا وأقل قيمة اجتماعيًا مقارنة بالفرنسية أو العربية.
وأبرزت سامي أن الحفاظ على الأمازيغية لا يقتصر على اللغة فقط، بل يشمل الهوية الثقافية بأشكالها المختلفة، من اللباس التقليدي والمجوهرات إلى المطبخ والاحتفالات. كما أظهر البحث دورًا متناميًا للمنصات الرقمية، مثل يوتيوب وفيسبوك وإنستغرام، في دعم تعلم ونشر الأمازيغية، من خلال الألعاب التعليمية والمحتوى الرقمي المتاح بخط تيفيناغ.
وأكدت الباحثة أن التفاعل بين الثقافة الأمازيغية وثقافة بلد الاستقبال في الشتات يولد هوية متعددة الثقافات، حيث يحاول الأهل الحفاظ على الأمازيغية لدى الأبناء مع إدماجهم في المجتمع الفرنسي، ما يشكل توازنا دقيقا بين الانتماء الثقافي والاندماج الاجتماعي.
وخلصت راضية سامي إلى أن نقل اللغة الأمازيغية عملية معقدة ومتعددة الأبعاد، تتطلب من العائلات دورا فاعلا كسياسي لغوي ضمنيا، لتوفير الموارد اللغوية للأجيال القادمة، مؤكدة أن استمرار اللغة وثقافة الأمازيغية يعتمد على الاستراتيجيات الأسرية، ووعي المجتمع، ودعم المؤسسات التعليمية، والتقنيات الحديثة التي تتيح مشاركة المعرفة والتجارب.
المصدر:
العمق