لم يمُر تخليد اليوم الوطني للسلامة الطرقية اليوم الأربعاء، الموافق فبراير من كل سنة، دون إثارة تساؤلات عميقة حول “جدوى” الاستراتيجيات المعتمدة؛ فيما يشدد الفاعلون المدنيون النشطون في هذا المجال على أن هذا التاريخ يمثل “محطة للمساءلة الرقمية وتحليل الحلول، وليس للاحتفال”.
وتكشف الحصيلة الإحصائية عن “فجوة صادمة” بين الأهداف المسطرة وبين الواقع الميداني، خاصة بعد أن أقرّت الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (نارسا) بأن ما يجري بالنسبة لمستعملي الدراجات النارية على طرقات المغرب “مأساة ونزيف” بعد أن تعدّى عدد القتلى من مستعملي الدراجات بمحرّك 2300 قتيل، فضلا عن ضحايا بعاهات مستديمة، وأرقام مهوّلة انتهت بها سنة 2025: تتصدر الفئات الهشة قائمة ضحايا النزيف الطرقي بالمغرب، حيث يشكل مستعملو الدراجات وحدهم ما يقارب 50 في المائة من إجمالي الوفيات.
وفق فاعلين استطلعت هسبريس آراءهم، يبقى رهان السلامة الطرقية بالمغرب رهينا بالانتقال من “منطق التشخيص الإحصائي السنوي” إلى “منطق العمل الميداني المنسجم، الذي يجمع بين تطوير البنية التحتية وصرامة تطبيق القانون وتنمية الوعي المروري لدى كافة مستعملي الطريق”.
في قراءة تحليلية لواقع السلامة الطرقية بالمغرب، دق مصطفى الحاجي، رئيس الهيئة المغربية لجمعيات السلامة الطرقية، ناقوس الخطر إزاء “المعضلة الحقيقية” التي يجسدها سقوط 2300 قتيل سنويا من مستعملي الدراجات.
وأوضح الحاجي، في تصريح لجريدة هسبريس، أن هناك “خلطا قانونيا يستوجب التصحيح العاجل”، مؤكدا أن المسؤول الأول عن هذه “الكارثة العظمى” هو صنف “الدراجات بمحرك” (أقل من 50cc) التي تغزو الشوارع دون ضوابط كافية، وليست الدراجات النارية الكبيرة التي يلتزم أصحابها قانونا بالحصول على رخص سياقة من صنف (A) أو (A1).
وانتقل رئيس الهيئة المغربية لجمعيات السلامة الطرقية إلى تشخيص الخلل التقني الذي يحوّل هذه المركبات إلى “قنابل موقوتة” في قلب حركة السير، مشيرا إلى الانتشار الواسع لظاهرة التلاعبات التقنية المعروفة بـ”الحك” لزيادة قوة المحركات؛ فبينما يفرض القانون سقفا للسرعة لا يتجاوز 50 كلم/ساعة لهذه الفئة، يكشف الواقع الميداني عن تعديلات ميكانيكية تجعلها تصل إلى سرعات جنونية تبلغ 110 كلم/ساعة، مما ينسف أسُس السلامة المرورية و”يضاعف من احتمالات الحوادث المميتة نتيجة غياب التوازن بين قوة المحرك وهيكل الدراجة”، وفق شروحاته.
توقف مصطفى الحاجي عند “أزمة الخوذة” كعامل حاسم في نزيف الأرواح، منتقدا عدم التفعيل الصارم لتوصيات المؤتمر العالمي للسلامة الطرقية التي تنص على ضرورة بيع خوذتيْن واقيَتين مع كل دراجة.
وأضاف رئيس الهيئة المهنية سالفة الذكر متأسفا: “المشكلة تكمن أيضا في انتشار خوذات “صورية” غير واقية تفتقر لأدنى معايير السلامة الدولية، حيث لا توفر الحماية اللازمة للرأس عند وقوع الاصطدامات؛ وهو ما يجعل من إصابات الرأس “السبب الرئيسي للوفاة في صفوف الدراجين”.
خلص الحاجي إلى طرح “خارطة طريق” ميدانية للحد من هذا النزيف، تبدأ بالتفعيل الفوري والكامل لمقتضيات القانون 116.14 الذي يفرض إجبارية الحصول على رخصة السياقة من صنف (AM) لضمان تلقي السائقين تكوينا نظريا وتطبيقيا رزينا.
كما شدد المتحدث عينه على ضرورة مأسسة المراقبة الجمركية والتقنية لضبط المحركات المتجاوزة للسعة القانونية قبل دخولها للسوق، وفرض فحص تقني سنوي دوري، توازيا مع تكثيف المراقبة الطرقية من لدن الأمن والدرك لزجر المناورات الخطيرة واستغلال ممرات الحافلات و”الترامواي”، مع دعوة سائقي السيارات لترسيخ ثقافة التعايش واحترام المسافات الآمنة مع الدراجين.
بسَط إلياس سليب، رئيس المرصد الوطني للسلامة الطرقية، قراءة نقدية حادّة بقوله إن يوم 18 فبراير يمثل “وقفة محاسباتية” لتحليل الأرقام والإحصائيات و”ليس مناسبة للاحتفال كما يروج البعض”، مشددا على أن المرصد والمجتمع المدني ينظُران إلى هذا اليوم كفرصة لمناقشة مسببات الحوادث وإيجاد الحلول الفعلية للنزيف المستمر.
وأوضح سليب، في تصريح لهسبريس، أن الحصيلة الحالية تشكل “صدمة رقمية”، خاصة في ظل الارتفاع المهول لوفيات مستعملي الدراجات الذين باتوا يمثلون ما يقارب 50 في المائة من ضحايا حوادث السير بالمغرب، حيث قفزت الوفيات في صفوفهم من 1,700 قتيل عام 2024 إلى 2,300 قتيل متم 2025.
وأردف رئيس المرصد الوطني للسلامة الطرقية بتحليل للمسافة الشاسعة بين الأهداف المسطرة والواقع الميداني، مشيرا إلى أن الاستراتيجية الوطنية 2017-2026 كانت تطمح إلى تقليص الوفيات إلى أقل من 1,900 قتيل؛ إلا أن سنة 2024 سجلت حصيلة ثقيلة بلغت 4,024 قتيلا.
وحسب الفاعل ذاته، فإن هذا التباين امتد ليشمل فئة الراجلين التي سجلت 1,068 قتيلا؛ في حين كان المخطط يستهدف حصرها في 500 حالة فقط، مما يكشف عن تحديات جسيمة تواجه الفئات الأكثر هشاشة في الطريق.
وعزا إلياس سليب هذا التدهور إلى “عوامل هيكلية وسلوكية”، على رأسها الغياب التام للبنية التحتية المخصصة للفئات عديمة الحماية، حيث تفتقر الطرق إلى الممرات الخاصة بالدراجات والراجلين؛ مما يضطرهم إلى الاختلاط بالمركبات الكبيرة.
كما وجّه رئيس مرصد السلامة الطرقية بالمملكة سِهام الاتهام إلى قطاع التوصيل (“Livreurs”)، حيث يعتمد هؤلاء السائقون مناورات خطيرة ويهملون ارتداء الخوذات الواقية المطابقة للمواصفات تحت ضغط السرعة؛ “وهو ما يفسر كون أغلب الوفيات ناتجة عن إصابات مباشرة في الرأس”، وفقه.
مستعرضا بضع حلول، شدد المتحدث عينه على أن الخروج من هذه الأزمة يمر حتما عبر تفعيل رخصة السياقة من صنف “AM” لضبط فئة الدراجات بمحرك وضمان عدم قيادتها من قبل من هم دون 14 سنة، مع ضرورة إلمام السائقين بقواعد السير. كما دعا إلى صرامة أكبر في العقوبات الزجرية ضد المخالفين، وتكثيف التكوين المهني للسائقين في قطاع النقل الجماعي ونقل المستخدمين، للحد من الحوادث الجماعية الفاجعة التي شهدتها الحافلات مؤخرا.
واختتم سليب تصريحه لهسبريس بالتأكيد على أن المنظومة تتطلب تكاملا بين صرامة القانون، وتطوير البنيات التحتية، وتعزيز الوعي المروري لدى الأجيال الناشئة عبر المؤسسات التعليمية؛ لضمان بناء ثقافة طرقية تحمي الأرواح وتصحح المسار الاستراتيجي الوطني.
المصدر:
هسبريس