آخر الأخبار

جرسيف بين التسول القسري وحق المواطن في الأمان

شارك

هبة بريس – محمد بودهان

لم تعد ظاهرة التسول في جرسيف مجرد حالات فردية معزولة تُقابل بالتعاطف أو الإحسان، بل تحوّلت – وفق شهادات متطابقة لعدد من المواطنين – إلى سلوكيات تتسم أحيانًا بالإلحاح المفرط، بل وبالعنف اللفظي أو الجسدي في بعض الحالات. مشاهد تتكرر أمام المحلات التجارية، وبالقرب من الإدارات، وفي محيط الأسواق والمساجد، ما يطرح سؤالًا مركزيًا: من يحمي المواطن الجرسيفي من تسولٍ يتحول إلى مضايقة؟

عدد من المتضررين يؤكدون أن الأمر لم يعد مرتبطًا بالفقر وحده، بل بوجود وجوه غريبة عن المدينة، تتحرك في مجموعات، وتستعمل أساليب ضغط نفسي على النساء وكبار السن وأصحاب السيارات. حالات يصفها مواطنون بأنها “ابتزاز عاطفي” يتجاوز حدود الحاجة الإنسانية، ليدخل في خانة الإزعاج والتهديد غير المباشر.

قانونيًا، يظل التسول في حد ذاته وضعًا اجتماعيًا معقدًا، لكن حين يقترن بالإكراه أو باستغلال الأطفال أو بتكوين شبكات منظمة، فإنه يتحول إلى قضية أمنية تستوجب تدخلًا واضحًا من الجهات المختصة، وفي مقدمتها المديرية العامة للأمن الوطني، إلى جانب السلطات المحلية التابعة لـ وزارة الداخلية.

غير أن المقاربة الأمنية وحدها، وإن كانت ضرورية، تظل غير كافية. فالمشكل أعمق من مجرد إبعاد المتسولين من نقطة إلى أخرى. هناك أسئلة حقيقية حول مصدر هذه الظاهرة: هل يتعلق الأمر بهجرة داخلية موسمية؟ هل توجد شبكات تنقل أشخاصًا بين المدن؟ أم أن الأمر انعكاس مباشر لهشاشة اجتماعية متفاقمة؟

إن المعالجة الفعالة لهذه الظاهرة تقتضي اعتماد مقاربة متكاملة تجمع بين الحزم القانوني من خلال تنظيم حملات ميدانية لضبط السلوكيات العدوانية، ومراقبة أي استغلال للأطفال أو للأشخاص في وضعية هشاشة، وبين البعد الاجتماعي عبر تفعيل برامج الإدماج الاقتصادي والتكوين المهني وإحداث فضاءات استقبال مؤقتة للحالات الإنسانية بدل تركها عرضة للشارع، إضافة إلى ترسيخ وعي مجتمعي مسؤول يقوم على عدم تشجيع التسول المنظم عبر العطاء العشوائي، وتوجيه الدعم نحو مبادرات خيرية منظمة وشفافة تضمن الكرامة والنجاعة في آن واحد.

إن حماية كرامة المحتاج واجب إنساني، لكن حماية أمن المواطن وطمأنينته واجب لا يقل أهمية. وبين هذين المبدأين، يبقى الرهان الحقيقي في جرسيف هو إيجاد توازن عادل يحفظ للمدينة صورتها وللساكنة حقها في فضاء عمومي آمن ومنظم.

فالمدينة التي تطمح إلى تنمية حقيقية وجذب الاستثمار، لا يمكن أن تقبل بتحول فضاءاتها العامة إلى بؤر توتر يومي. المطلوب اليوم ليس حملات ظرفية عابرة، بل رؤية واضحة ومستدامة تعالج الجذور قبل النتائج، وتضع مصلحة المواطن في صلب الأولويات.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا