د. جمال العزيز
تعيش جهة سوس ماسة مرحلة دقيقة في مسار إعادة هيكلة منظومتها الصحية، في سياق أفق تنزيل المجموعات الصحية الترابية وإعادة توزيع الأدوار بين المؤسسات الإستشفائية. غير أن أي تحول بهذا الحجم لا يُقاسُ فقط بمشروعية أهدافه، لكن بمدى دقته في التنفيذ وانسجامه مع الواقع الميداني، وقدرته على الحفاظ على استمرارية الخدمات الحيوية دون ارتباك.
لقد أفرزت المرحلة الإنتقالية التي تزامنت مع انطلاق المستشفى الجامعي دينامية جديدة داخل العرض الصحي الجهوي، غير أن هذه الدينامية رافقتها تحديات عملية متعددة. فإعادة تموقع بعض المصالح الحيوية في الآونة الأخيرة، وعلى رأسها مصلحة الولادة، ودمج عدد من المصالح الأخرى في سياق انطلاق أشغال الصيانة والتأهيل، تزامن مع انتقال مجموعة من الأطر التمريضية نحو المستشفى الجامعي، إضافة إلى تسجيل خصاص ظرفي في تخصصات دقيقة، خاصة التخدير والإنعاش.
هذا التداخل بين بدء الأشغال وإعادة توزيع الموارد البشرية، وبين بعض التوقيفات المرتبطة بتخصصات حساسة، انعكس بشكل مباشر على الطاقة الإستيعابية للمستشفى الجهوي الحسن الثاني، وأدى إلى انخفاض ملحوظ في عدد العمليات الجراحية المبرمجة خلال الفترة الأخيرة. وهو واقع لا يمكن عزله عن سياقه الإنتقالي، لكنه في الآن ذاته يطرح ضرورة تدبير مرحلي أكثر دقة، يوازن بين متطلبات الإصلاح وضمان استمرارية العرض الصحي دون انقطاع أو ضغط مفرط على مؤسسات أخرى.
وتزداد أهمية هذا النقاش حين يتعلق الأمر بمصلحة الولادة، التي لم تكن مجرد وحدة طبية، بل فضاء ذا بعد اجتماعي واضح، باعتبارها توفر خدمات مجانية لجميع النساء الحوامل. وهو معطى لا يمكن تجاوزه في أي تصور ظرفي لإعادة تأهيل المصلحة لما يقل عن سنتين ، و لأن العدالة في الولوج إلى الخدمات الصحية تظل حجر الزاوية في أي إصلاح حقيقي، خصوصا في أفق تعميم الحماية الإجتماعية، باعتباره ورشا وطنيا يهدف إلى ضمان حق العلاج دون تمييز أو إقصاء.
غير أن الإصلاح لا يمكن أن يبقى حبيس المقاربة العمومية الصرفة، بل يقتضي انخراطا منظما ومسؤولا للقطاع الخاص ضمن رؤية تكاملية واضحة. فالقطاع الخاص الصحي، بما يتوفر عليه من تجهيزات وخبرات وقدرة استيعابية، يمكن أن يشكل دعامة مهمة لتخفيف الضغط على المؤسسات العمومية، شريطة أن يتم ذلك في إطار تعاقدي مضبوط، يضمن توحيد المعايير، واحترام التعريفة المرجعية، وعدم المساس بمبدأ الإنصاف في الولوج إلى الخدمات.
إن الشراكة الذكية بين القطاعين العام والخاص لا تعني تفويض المسؤولية، لكن تعني توزيع عقلاني للأدوار وتكامل في تقديم الخدمات، خاصة في التخصصات الدقيقة أو في فترات الضغط الإستثنائي. كما أن إدماج المصحات الخاصة ضمن مسارات تعميم الحماية الإجتماعية يساهم في تسريع تقليص لوائح الإنتظار، وتحسين جودة الخدمات، وتوسيع العرض الصحي الجهوي.
كما أن الرهان لا يقتصر على البنيات، لكن يشمل الإطار القانوني المنظم لتدبير الموارد البشرية، الذي يحتاج إلى قدر أكبر من المرونة والإستباق، بما يضمن التوازن بين متطلبات الإصلاح واستقرار العاملين بالقطاع، ويؤسس لمقاربة تشاركية في اتخاذ القرارات الكبرى، ويعزز التكامل بين المستشفى الجامعي وباقي المؤسسات الجهوية بدل خلق فجوة في الأدوار.
إن ما تعيشه الجهة اليوم ليس أزمة هيكلية بقدر ما هو اختبار حقيقي لقدرة الفاعلين على إدارة مرحلة انتقالية دقيقة بحكمة ووضوح رؤية. فالرفع غير المسبوق لميزانية الصحة، في إطار التوجيهات الملكية السامية، يضع بين أيدينا فرصة تاريخية لتعزيز العرض الصحي وتحسين جودته، غير أن هذه الفرصة تظل رهينة بنجاعة الحكامة، وجودة التنسيق، وتسريع تنزيل المجموعات الصحية الترابية بصلاحيات فعلية واستقلالية واضحة.
الصحة اليوم في سوس ماسة لم تعد مجرد ملف تقني، لكن معيار لقياس الثقة المجتمعية. وفي أفق المرحلة المقبلة، سيحتكم المواطن إلى ما يلمسه في واقعه: هل تحسنت الخدمات؟ هل أصبح مسار العلاج أكثر وضوحا؟ هل ظلت العدالة الإجتماعية في صلب الإصلاح؟ وهل تم توظيف كل الإمكانات العمومية والخاصة، في خدمة الصالح العام؟
وفي النهاية، يظل الرهان الأكبر هو صون عقد الثقة بين المواطن والمؤسسة الصحية، لأن صحة المواطن ليست مجرد خدمة بل هي حق، وأساس كل تنمية مستدامة.
المصدر:
هبة بريس