صدر، حديثا، كتاب جماعي جديد بعنوان “الهندسة الثقافية.. الفن وسياسات التنمية المندمجة”، في مبادرة فكرية تجمع ثلة من الباحثين والنقاد المغاربة من أجل إعادة فتح النقاش حول موقع الثقافة داخل السياسات العمومية وعلاقتها بسؤال التنمية في سياق التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المغرب.
ويقترح هذا الكتاب، الذي أشرف عليه الناقد ورئيس الجمعية المغربية لمؤرخي الفن أشرف الحساني بمعية منير السرحاني، مقاربة تتجاوز النظر إلى الثقافة باعتبارها مجالا موازيا أو مكملا، إلى اعتبارها رافعة استراتيجية ضمن مشاريع التنمية المندمجة.
ويأتي هذا العمل في لحظة يتعاظم فيها الوعي بأهمية الصناعات الثقافية والإبداعية، وبقدرة الفن على إنتاج الأثر الرمزي والاجتماعي في الآن ذاته.
ويضم الإصدار مساهمات فكرية متعددة التخصصات، تتقاطع فيها مقاربات نقدية وسوسيولوجية وجمالية، بما يتيح قراءة مركبة لمفهوم “الهندسة الثقافية” بوصفه تصورا عمليا لتدبير الشأن الثقافي، وربطه بالسياسات العمومية وآليات التخطيط الترابي والرهانات التنموية.
ولا يقف الكتاب عند حدود التنظير؛ بل يلامس أسئلة مرتبطة بالفعل الثقافي، في علاقته بالمؤسسات وبالفاعلين وبسياقات الإنتاج والتلقي.
ضمن هذه المساهمات، يبرز التفكير في السينما باعتبارها ممارسة فنية تتجاوز بعدها الجمالي إلى أفق المسؤولية التاريخية. فالسينما، كما تطرح بعض الأوراق البحثية داخل الكتاب، ليست مجرد وسيط للسرد أو الترفيه؛ بل أداة لبناء المعنى وصياغة الذاكرة الجماعية، بما يجعلها جزءا من دينامية التنمية الثقافية، لا هامشا عليها.
ويؤكد المشاركون في هذا العمل الجماعي أن الرهان اليوم لم يعد يقتصر على دعم الفعل الإبداعي في حد ذاته؛ بل على بلورة رؤية ثقافية مندمجة، تجعل من الصورة والسرد والخطاب الفني أدوات تفكير في التحولات الكبرى، ومنصات لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع في بعدها الرمزي.
كما يندرج هذا الإصدار ضمن سياق أوسع يعرف عودة النقاش حول السياسات الثقافية بالمغرب، في ظل الحاجة إلى تجديد آليات الحكامة الثقافية، وتعزيز حضور الثقافة داخل مشاريع التنمية الترابية؛ وهو ما يمنح للكتاب راهنيته، ويجعله مساهمة نوعية في النقاش العمومي حول مستقبل الفعل الثقافي بالمملكة.
ويشكل “الهندسة الثقافية.. الفن وسياسات التنمية المندمجة” محاولة جماعية لإعادة ترتيب الأسئلة، ووضع الثقافة في قلب المشروع المجتمعي، باعتبارها مجالا لإنتاج المعنى وصناعة القيم وبناء الأثر المستدام.
ويشارك في هذا العمل الجماعي كل من منير السرحاني وخليل قريش وعبد الإله صابحي وعز الدين أمغنان ويونس البدري وحفصة الفتال وزينب واكريم وأحمد سجلماسي ومحمد بنعزيز وسالي داوود ومحمد آيت لحمم وراضية بنشيخي، إلى جانب أسماء أخرى أسهمت في إثراء النقاش من زوايا معرفية مختلفة؛ ما يمنح للكتاب طابعا تعدديا يعكس تنوع الحساسيات الفكرية والثقافية داخل المشهد المغربي.
المصدر:
هسبريس