آخر الأخبار

بين “العرف المخزني” وتفادي “البلوكاج”.. شقير يفكك شيفرة البرقية الملكية لشوكي

شارك

اعتبر المحلل السياسي محمد شقير أن برقية التهنئة التي بعث بها الملك محمد السادس إلى محمد شوكي، بمناسبة انتخابه رئيسا لحزب التجمع الوطني للأحرار، حملت في طياتها إشارات سياسية قوية تؤكد طي صفحة عزيز أخنوش كرئيس للحكومة، وعدم التوجه نحو تجديد ولايته لمرة ثانية عقب استحقاقات 2026.

وأوضح شقير، في قراءة لمضامين البرقية الملكية، أن الفقرة التي أشاد فيها الملك بـ”الجهود المطبوعة بروح المسؤولية والوطنية الصادقة” لعزيز أخنوش، تعكس ترتيبا مسبقا لإزاحته من خيار إعادة التعيين، وذلك لتفادي تكرار “البلوكاج السياسي” الذي رافق محاولة التجديد لعبد الإله بنكيران سنة 2016.

أشار شقير في مقال رأي توصلت به جريدة “العمق”، إلى أن النظام السياسي المغربي (المخزن) يميل عرفيا إلى عدم تجديد الولاية الثانية للوزراء الأولين أو رؤساء الحكومة، مستحضرا نماذج تاريخية كعبد الرحمن اليوسفي الذي لم يجدد له رغم تصدر حزبه لانتخابات 2002، وعبد الإله بنكيران الذي تم تعويضه بسعد الدين العثماني رغم تصدر “البيجيدي” لانتخابات 2016.

ويرى المحلل السياسي أن عدم ترشح أخنوش لرئاسة الحزب مجددا هو بمثابة “إقالة متدرجة” تبعده عمليا عن رئاسة الحكومة المقبلة، معتبرا أن هذا التوجه يعود إلى جملة من الأسباب التي عجلت برحيل أخنوش عن المشهد.

وخلص شقير إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب هندسة سياسية جديدة تتجاوز الزمن الانتخابي، للتحضير لاستحقاقات كبرى، أبرزها تنظيم كأس العالم 2030 وتنزيل الحكم الذاتي في الصحراء، وهو ما يقتضي “حكومة مونديال” بنخب جديدة ومشاريع ذات بعد استراتيجي.

وفي مايلي نص المقال كاملا:

على غرار انتخاب جل رؤساء الأحزاب من طرف مؤتمراتها الوطنية العادية أو الاستثنائية، بعث الملك محمد السادس ببرقية تهنئة إلى محمد شوكي، بمناسبة انتخابه رئيسا لحزب التجمع الوطني للأحرار، حيث جاء فيها: “على إثر انتخابك رئيسا لحزب التجمع الوطني للأحرار، من قبل مؤتمره الاستثنائي، يطيب لنا أن نعرب لك عن تهانئنا الحارة مقرونة بمتمنياتنا لك بكامل التوفيق في مهامك القيادية الجديدة”.

وتضمنت برقية التهنئة الملكية فقرة خاصة جديرة بالاهتمام، جاء فيها: “كما لا يفوتنا بهذه المناسبة أن نشيد بسلفك خديمنا الأرضى، السيد عزيز أخنوش، وبما بذله من جهود مطبوعة بروح المسؤولية والوطنية الصادقة، في سبيل تكريس وتعزيز الحضور السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار”.

وتعكس هذه الفقرة، إلى حد كبير، ترتيبا مسبقا لإزاحة عزيز أخنوش من إمكانية خيار تعيينه من جديد رئيسا للحكومة، مع ما كان سيطرحه ذلك من تكرار للإشكال السياسي الذي أحاط بإعادة تعيين الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بن كيران رئيسا للحكومة لولاية ثانية بعد تصدر حزبه الانتخابات التشريعية لسنة 2016، مما تطلب اللجوء إلى آلية “البلوكاج الحكومي”، قبل أن يستقر الأمر على تعويضه بسعد الدين العثماني، في احترام للمنهجية الديمقراطية التي سبق للوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي أن رفعها بعد استبداله برجل الأعمال إدريس جطو وزيرا أولا.

1- عدم تجديد الولاية الثانية في العرف المخزني

بخلاف عهد الملك الحسن الثاني، الذي كان ينتقي الوزراء الأولين بشكل شخصي، طبقا لمقولة كان يكررها أمام تعنت المعارضة بأنه لا يتحرج من إمكانية اختيار سائقه الخاص وزيرا في الحكومة، خاصة وأن دساتير المملكة آنذاك لم تكن تنص على أي إلزام بتعيين الوزير الأول من الحزب المتصدر للانتخابات، في حكومات كانت دائما ائتلافية، يتم فيها عادة تعيين شخصية محايدة كرجل الأعمال كريم العمراني أو وزير الخارجية عبد اللطيف الفلالي، أو تعيين عز الدين العراقي وزيرا أولا بعد انفصاله عن حزب الاستقلال.

وفي إطار التهييء لانتقال سلس للعرش، ضمن للكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المعارض عبد الرحمان اليوسفي أغلبية تمكنه من ترؤس الحكومة، ليتم بعد رحيل الملك الحسن الثاني إزاحته من منصبه على الرغم من تصدر حزبه انتخابات 2002.

وعلى نفس المنوال، وحتى بعد إصدار دستور فاتح يوليوز 2011 الذي تضمن مقتضيات تحيل على تعيين الملك لرئيس الحزب المتصدر للانتخابات رئيسا للحكومة، فإنه لم يتم تجديد رئاسة بن كيران للحكومة، على الرغم من تصدر حزبه انتخابات 2016، حيث تمت إزاحته من خلال آلية “البلوكاج الحكومي” الذي ساهم فيه عزيز أخنوش كوزير للفلاحة في حكومة بن كيران، والذي حافظ على منصبه في حكومة سعد الدين العثماني.

وتهيأت له بعد ذلك ظروف رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي ساهم بشكل كبير، نظرا لشبكة علاقاته السياسية والاقتصادية والإعلامية، في تطوير الحزب ليتصدر انتخابات 2021، التي مني فيها حزب العدالة والتنمية بنكسة انتخابية مدوية.

لكن يبدو أنه، على الرغم من بعض منجزات حكومة أخنوش وأسلوبه المقاولاتي في تدبير العمل الحكومي من خلال انتقاء كفاءات تدور في فلكه، فقد تعرض لعدة انتقادات تهم أساسا الارتفاع المستفحل لأسعار المواد الغذائية في المغرب، والتي عرفت ارتفاعا مطردا منذ جائحة كورونا، لتزداد وتيرتها بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.

وتفاقمت هذه الأزمة بعد أن شمل الغلاء الخضر والفواكه واللحوم والدواجن، وهو ما مس في العمق مخرجات المخطط الأخضر الذي أشرف عليه رئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش شخصيا حين كان يشغل مهمة وزير الفلاحة في الحكومات السابقة.

ومما زاد من احتدام هذه الأزمة المفارقة بين سوق محلي ترتفع فيه أسعار المنتجات الغذائية بشكل غير مسبوق، وبين أسواق أوروبية وإفريقية وخليجية وروسية تضج بالمنتجات المغربية المصدرة إليها، حيث اتهمت حكومة أخنوش بمساندة شريحة من الوسطاء الذين يصدرون هذه المنتجات للرفع من الاحتياطات النقدية والزيادة في الموارد الضريبية، مما أصبح يهدد السوق الوطني بالندرة وقلة العرض، ويتسبب في التهاب الأسعار والإجهاز على القدرة الشرائية لأوسع الشرائح الشعبية.

كما زاد من حدة الانتقادات القرار الملكي بعدم ذبح الأضاحي خلال سنة 2025، بعد تراجع أعداد القطيع وعدم نجاعة إجراءات الدعم في الحد من ارتفاع أسعار اللحوم.

وبالإضافة إلى ذلك، وُجهت لرئيس الحكومة شخصيا اتهامات تتعلق بتضارب المصالح، بما فيها أسعار المحروقات وصفقة محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء. كما شكلت احتجاجات “جيل زد”، التي اندلعت في عدة مدن قبيل تنظيم كأس إفريقيا بالمملكة بشهرين، ضربة قوية لرئيس الحكومة، خاصة بعدما طالبت هذه الاحتجاجات بإصلاح قطاعي الصحة والتعليم وبإقالة الحكومة.

2- الإقالة المتدرجة لرئيس الحكومة عزيز أخنوش

على الرغم من الاضطرابات التي عرفتها الحياة السياسية، والتي كان من أبرزها حراك “جيل زد”، فقد احتدم التنافس بين مكونات الائتلاف الحكومي، خاصة بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، اللذين يعتبران الأكثر قدرة على تصدر المشهد السياسي الذي ستفرزه انتخابات 2026، في ظل تقارب عدد المقاعد بينهما.

فحزب التجمع الوطني للأحرار ما زال يراهن على “مسار التنمية” الذي تم إعداده بعد جولات تواصلية في مختلف المدن لإعادة الثقة في العمل السياسي واستقطاب الكفاءات استعدادا للاستحقاقات المقبلة، معتمدا على ما يعتبره “إنجازات غير مسبوقة” في سجل العمل الحكومي.

وقد عبر رئيس مجلس النواب رشيد الطالبي العلمي عن قناعته ببقاء الحزب في السلطة لولاية أخرى، فيما دافع أخنوش عن حصيلته الحكومية، مسلطا الضوء على الانتعاش الاقتصادي بعد جائحة كوفيد، وتوسيع التغطية الصحية، وتقديم الدعم المباشر للأسر، وتحقيق نمو مستقر رغم سنوات الجفاف.

غير أن إعلان عزيز أخنوش عدم ترشحه مجددا لرئاسة حزبه فاجأ حتى أعضاء المكتب السياسي ومكونات المشهد السياسي، إذ جاء عكس المسار الذي كان يسير فيه، خاصة أنه كان يترأس المجلس الوطني للحزب استعدادا للمؤتمر دون أن يصدر عنه ما يفيد نيته مغادرة المشهد الحزبي.

وقد اعتبر هذا القرار بمثابة إقالة تدريجية لرئيس الحكومة، إذ إن عدم الترشح لرئاسة الحزب يبعده عمليا عن رئاسة الحكومة بعد الانتخابات التشريعية المقررة في خريف 2026.

وظهرت مؤشرات هذه الإقالة المتدرجة من خلال غياب أخنوش عن جلسة العمل التي ترأسها الملك بالقصر الملكي بالدار البيضاء لمتابعة مشروع ميناء الناظور، وعدم حضوره لمراسيم توقيع انضمام المغرب إلى مجلس السلام بدافوس.

ويعزو محللون هذه الإقالة إلى نهجه السياسي القائم على الاستفراد بالأغلبية، وطغيان صورة تضارب المصالح بين السياسة والاقتصاد، وتغليب منطق الفريق الشخصي على الفريق الحكومي في بعض التعيينات، إضافة إلى بعض التصريحات التي اعتبرت مستفزة، فضلا عن توتر العلاقة مع وزارة الداخلية.

كما ساهم تعامله الشخصي مع احتجاجات الشباب في تعميق الانتقادات، في مقابل تعامل المؤسسة الملكية بشكل مباشر مع مطالب الإصلاح المتعلقة بالصحة والتعليم ومحاربة الفساد.

وعلى العموم، فإن متغيرات انتخابات 2026 لن تقف عند قرار أخنوش عدم الترشح لقيادة حزبه، إذ تواجه المملكة تحديات استراتيجية، أبرزها التأهيل الترابي، والانتقال من نهاية دبلوماسية لملف الصحراء إلى هندسة سياسية للحكم الذاتي، إضافة إلى إفراز حكومة ستشرف على التحضير لتنظيم كأس العالم 2030 بما يتطلبه ذلك من بنى تحتية اقتصادية ورياضية ولوجستية.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا