في لحظة إعلامية تتسم بتسارع غير مسبوق في تدفق المعلومات، وتنامي الرهانات المرتبطة بالشفافية والمساءلة، يطرح موضوع الصحافة الاستقصائية في المغرب نفسه بإلحاح، ليس بوصفه نقاشا مهنيا صرفا، بل باعتباره سؤالا ديمقراطيا عميقا يمس طبيعة العلاقة بين الإعلام والسلطة والمجتمع. ذلك أن تطور النصوص القانونية المؤطرة للحق في الحصول على المعلومات لم يواكبه، بالقدر ذاته، تحول فعلي في الثقافة الإدارية والممارسة اليومية، مما جعل العمل الاستقصائي يتحرك في مساحة معقدة تتداخل فيها الإمكانات القانونية مع الإكراهات الواقعية.
وتأتي هذه المداخلة، التي يقدمها محمد لغروس، مدير نشر جريدة “العمق المغربي”، ضمن الجلسة العلمية المنظمة في إطار اليوم الدراسي الذي تحتضنه الرباط يوم الأربعاء 11 يناير 2026، بمبادرة من شبكة أريج بشراكة مع الشبكة المغربية لصحفيي الهجرات، لتسليط الضوء على واقع الاستقصاء الصحافي بالمغرب، ورصد تحولات بيئته المهنية والتكنولوجية، واستكشاف التحديات التي تعترضه بين هشاشة النموذج الاقتصادي، وضغط الرقابة الذاتية، وتنامي تعقيدات الفضاء الرقمي.
وتسعى هذه الورقة إلى تفكيك ما يمكن توصيفه بحالة “الجزر” التي تطبع مسار الصحافة الاستقصائية الوطنية، من خلال قراءة نقدية للبيئة القانونية والمؤسساتية، وتحليل المعضلات الأخلاقية والاقتصادية، واستشراف دور الأدوات الرقمية الحديثة – من صحافة البيانات إلى تقنيات الاستخبارات مفتوحة المصدر والذكاء الاصطناعي – باعتبارها إمكانات جديدة لإعادة بناء قوة التحقيق الصحافي وتعزيز استقلاليته.
وفيما يلي نص مداخلة محمد لغروس ةمدير نشر جريدة “العمق المغربي” في جلسة علمية حول موضوع: الصحافة الاستقصائية في المغرب.. الواقع والتحديات ضمن اليوم الدراسي الذي تنظمه شبكة أريج بالشراكة مع الشبكة المغربية لصحفيي الهجرات بالرباط يوم الأربعاء 11 يناير 2026:
مقدمة
محمد لغروس
في سياق وطني يتأرجح بين وفرة النصوص وندرة النفاذ، تقف الصحافة الاستقصائية في المغرب أمام لحظة حاسمة تعيد طرح سؤالها الجوهري: كيف يمكن إنتاج معرفة عمومية دقيقة وموثوقة في بيئة قانونية تعترف نظرياً بالحق في الحصول على المعلومات، لكنها عملياً تضع أمامه حواجز إدارية وثقافية معقدة؟ فمنذ دستور 2011، الذي كرس هذا الحق، ثم صدور القانون رقم 31.13، بدا أن المجال انفتح أمام مرحلة جديدة من الشفافية. غير أن تقارير الممارسة تكشف أن الانتقال من الاعتراف القانوني إلى التفعيل الفعلي لا يزال متعثراً، وأن منطق السرية لم يستبدل بعد بثقافة الإفصاح المؤسسي.
أمام هذا الواقع، لم يعد النقاش حول الاستقصاء الصحافي ترفاً مهنياً، بل ضرورة ديمقراطية تمس جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع. فحين تضيق قنوات الوصول إلى المعلومة الرسمية، تتسع الحاجة إلى أدوات بديلة، أكثر دقة وأقل ارتهاناً لمزاجية المصدر. وهنا تبرز التحولات التكنولوجية، من صحافة البيانات إلى الاستخبارات مفتوحة المصدر والذكاء الاصطناعي، ليس كبدائل أخلاقية عن العمل الصحافي، بل كامتداد منهجي يعيد تعريف مفهوم الدليل، ويؤسس لصحافة قائمة على التحليل الكمي والتحقق الرقمي.
غير أن هذا التحول لا يخلو من كلفة وتعقيد. فبين ضغط النموذج الاقتصادي القائم على السرعة وعدد النقرات، وتصاعد تحديات التحقق في زمن التزييف العميق، يجد الصحافي نفسه مطالباً بإعادة بناء عدة اشتغاله: مهارات رقمية متقدمة، ووعي قانوني دقيق، وشبكات دعم مهنية قادرة على حماية العمل الاستقصائي من العزلة والهشاشة.
ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة الملحة إلى قراءة نقدية في مأزق البيئة القانونية والواقعية، واستشراف لإمكانات التكنولوجيا كقوة موازنة، وتحليل للمعضلات الأخلاقية والاقتصادية التي تعترض الطريق.
ولعل الأرضية التي طرحها القائمون على هذا الجلسة العلمية، تضعنا أمام توصيف دقيق ومؤلم في آن واحد: “حالة جزر” في الصحافة الاستقصائية المغربية. ولكي نكون علميين في طرحنا، دعونا نتفق أن هذا “الجزر” ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج معادلة معقدة سأحاول تفكيكها معكم في ثلاثة مستويات:
1- مأزق “الوفرة والحجب”: قراءة في البيئة القانونية والواقعية
نحن نعيش في المغرب مفارقة صارخة يمكن تسميتها بـ “المتاهة التشريعية”، فمن جهة، لدينا الفصل 27 من دستور 2011 والقانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات، وهما مكسبان نظريان كبيران. لكن واقع الممارسة، وكما تظهر تقارير “لجنة الحق في الحصول على المعلومات”، يكشف عما يمكن توسيمه بـ”مقاومة بيروقراطية شرسة”.
والإدارة المغربية، في غالبها، لا تزال تتعامل بمنطق “السرية هي الأصل”، وكما أقول دئما على سبيل المثال والطرفة “المسؤول المغربي إن سألته كم الساعة؟ يجيبك: دعني أتشاور مع رئيسي”، مما يجعل الاستقصاء التقليدي القائم على “المصدر الرسمي” عملية شبه مستحيلة أو محفوفة بالمخاطر القانونية، خاصة عند التماس مع “الخطوط الحمراء” التي غالباً ما تُكيّف جنائياً بدلاً من الاحتكام لقانون الصحافة والنشر.
هذا الوضع خلق ما نسميه في دراسات الإعلام بـ “الرقابة الذاتية الهيكلية”؛ حيث يُحجم الصحافي عن الخوض في ملفات الفساد الكبرى تجنباً للمتاعب، مما أدى إلى حالة “الجزر” التي نناقشها.
2- المعضلة الأخلاقية والاقتصادية
بقدر الحاجة الماسة إلى الصحافة الاستقصائية وصحافة التحقيق في العمل الصحافي، بقدر ما تشكل الوضعية الاقتصادية الهشة للمقاولات الإعلامية المغربية عائقا أمامه، كون الاستقصاء “سلعة باهظة” في سوق “رخيص”. فالتحقيق المعمق يحتاج أسابيع وموارد، بينما النموذج الاقتصادي للمقاولات الصحافية المغربية يعتمد على “النقرات” (Clicks) والإعلانات الموجهة للجمهور العريض، وضرورة التفاعل السريع مع الأحداث اليومية التي لا تنقطع، وهو ما يشكل استنزافا للموارد البشرية وثنيها عن التفرغ التام لصحافة الاستقصاء والتحقيق.
ومع كل ذلك، لا يمكن أن الوقوف مكتوفي الأيدي أمام المعيقات الاقتصادية، فأولا قبل كل شيء إن الصحافة ليست مهنة “خبزية” للاسترزاق بقدر ما هي التزام فكري وأخلاقي مارسه عبر التاريخ مفكرون وفلاسفة ومناضلون، لا حديث عن الصحافة كـ”سلطة رابعة” دون صحافة الاستقصاء وجنس التحقيق الذي يظل أرقى الأجناس الصحافية أرفعها، ولا يمكن أن يؤت لمن ليس له شغف حقيقي بالمهنة وقدرة على البحث وطرح الأسئلة وتتبع الفرضيات.
ثم إن كثير من المنظرين والباحثين في الإعلام وأدوراه، لا يرون الصحافة مكتملة الأركان دون التحقيقات التي تكشف الخلل وتراقب السلطة، لا بالاكتفاء بالأخبار الروتينية أو التصريحات الجاهزة، ويمكن أن نأتي بعشرات الأمثلة التي أثرت فيها التحقيقات الصحافية في مسار الأحداث السياسية لا ينساها التاريخ، بل ووصلت إلى حد إعادة الانتخابات في الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال.
إن قوة الصحافة تظهر حين تلامس قضايا الفساد واستغلال النفوذ والانتهاكات الممنهجة للحقوق والحريات، وكل ما يمس شرائح واسعة من المجتمع.
ولعل أيضا صعود مستوى التزييف العميق (Deepfakes)، يفرض مسؤوليات جسام على الجسم الصحافي عموما، وعلى الصحافيين الاستقصائيين خصوصا، (هذا إن صح التفريق بين صحافي وصحافي استقصائي إن لم يكن الأصل في الصحافي أن يكون استقصائيا بطبعه)، لينتقل من التحقق من صحة أفعال المسؤولين فحسب، إلى التحقيق والتدقيق في صحة المحتوى الرقمي نفسه، وهنا تصبح أدوات التحقق الرقمي مهارة إلزامية وليست ترفيهية.
وأمام هذين التحديين (الاقتصادي الأخلاقي) تكمن أهمية وضرورة “العمل التشاركي” (Collaborative Journalism) في تمويل وتأطير وتشجيع الصحافة الاستقصائية التي أضحت اليوم غير قابلة لأن تبقى عملا فرديا.
3- التكنولوجيا كـ “قوة موازنة”: OSINT والذكاء الاصطناعي
إذا كان الباب الرئيسي للمعلومة موصداً، فإن التكنولوجيا قد فتحت آلاف النوافذ، فنحن ننتقل اليوم عالمياً من “الصحافة القائمة على التسريبات” إلى “الصحافة القائمة على البيانات”.
في ظل توفر ما يسمى “الاستخبارات مفتوحة المصدر (OSINT)” فإننا لم نعد بحاجة ماسة لانتظار تصريح مسؤول لتأكيد وجود تجاوز بيئي أو عقاري. فاليوم، وعبر صور الأقمار الصناعية (Satellite Imagery)، وسجلات الملاحة الجوية والبحرية المفتوحة، وبيانات السجل التجاري المتاحة (رغم تعقيداتها)، يمكن للصحافي المغربي بناء تحقيق متكامل بالأدلة الدامغة دون أن يغادر مكتبه.
كما أن أدوات الذكاء الاصطناعي ليست مجرد أدوات لكتابة المقالات بدلاً عنا، بل هي “مساعد خارق للتحليل”، وترتيب البيانات واستخراج القصص منها، فاليوم لم نعد بحاجة إلى قراءة آلاف الصفحات من الوثائق بالقدر الذي أصبح يحب على الصحافي تملك القدرة على تدريب نماذج لغوية (LLMs) وتطوير صياغته للأوامر (Prompts) ليتمكن من رصد الاختلالات المالية أو العلاقات المشبوهة أو رسم خرائط النفوذ في دقائق، ولإيجاد الخيط الذي يتبعه في تحقيقاته الصحافية.
لذلك، لا بد أن ترتكز الصحافة الاستقصائية الحديثة في المغرب على “قواعد البيانات” لا على “قيل وقال”. فالبيانات لا تكذب، وهي أقل عرضة للمساءلة القانونية إذا ما تم تحليلها علمياً.
خاتمة
إن الخروج من حالة “الجزر” يتطلب تغيير “عدة الشغل”. الصحافي الاستقصائي المغربي اليوم لا يحتاج فقط إلى الشجاعة ومصادر بشرية، بل يحتاج إلى أن يتحول إلى “صحافي بيانات”، يتقن لغة الأرقام، ويحسن استخدام الخوارزميات، ويعمل ضمن شبكات تضامن مهنية تحميه قانونياً وتدعمه مادياً.
وإن الخروج من هذه الحالة يتطلب أيضا شغفا وإرادة لدى الصحافي نفسه، قبل مساءلة الإدارة وقبل استحضار المعيقات المالية أو التحديات الاقتصادية، فمربط الفرس في روح المبادرة وامتلاك روح الاستقصاء والعين الناقدة والعقل الذي لا يتوقف عن السؤال والتساؤل، ولعل من بين الأمثلة التي تؤكد أن المعيقات ذاتية قبل أن تكون موضوعية هي ألا نجد في الصحافيين من يدقق حتى في مالية جميع الأعمال الاجتماعية التي ينخرط فيها ويؤدي اشتراكا سنويا لفائدتها، أو في أجور المسؤولين على قطاع الصحافة وغيرها من الأمثلة التي تلامس الحياة المهنية للصحافي.
أما إكراه الرقابة الذاتية ففي كثير من الأحيان يكون مرده إلى هواجس وتمثلات وليس من باب التجربة أو تملك المعطيات، فإذا كانت الصحافة الاستقصائية تعاني من ضيق الخطوط الحمراء المعروفة والمعلومة للجميع، فإن لها أيضا مجالا واسعا ورحبا، غير أن الهواجس والتوجسات غير المبنية على المعطيات، والتي يعود أغلبها إلى تلقي تكوين في المعاهد والجامعات من طرف بعض الأساتذة غير ممارسين للمهنة، تجعل الصحافي ينطلق في مساره المهني مقيدا بقيود وهمية.
المصدر:
العمق