كشف موقع “اطالايار ” الإسباني أن وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة قدم في مدريد النص الموسع لخطة الحكم الذاتي الخاصة بالصحراء، في وثيقة من نحو 40 صفحة تتضمن تفصيلاً دقيقاً لمختلف الجوانب القانونية والمؤسساتية والمالية المرتبطة بالمقترح المغربي.
وبحسب الموقع ذاته، فإن النص الجديد أُعدّ بتنسيق بين ثلاثة مستشارين للملك محمد السادس هم الطيب الفاسي الفهري وعمر عزيمان وفؤاد عالي الهمة، وذلك بتكليف ملكي أعقب صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي أكد أن الحكم الذاتي الجاد والواقعي وذي المصداقية يشكل أساساً للتوصل إلى حل نهائي للنزاع.
ويمثل النص، وفق المصدر، تطويراً للمبادرة التي قدمها المغرب إلى الأمم المتحدة سنة 2007، إذ جرى تحويلها إلى مشروع منظم مادةً بمادة، يتضمن تعريفات قانونية، وبنوداً تفسيرية، وأحكاماً انتقالية، وآليات للرقابة الدستورية، ما يجعله أقرب إلى نظام أساسي عضوي للحكم الذاتي على غرار التجارب الأوروبية، وليس مجرد إعلان سياسي.
وأشار الموقع إلى أن الخطة تحظى بدعم 120 دولة، في إطار مسار دبلوماسي تقوده الرباط منذ سنوات. كما جرى اعتماد الوثيقة “وثيقة تقنية” خلال اجتماع مدريد، على أن تشتغل عليها لجنة من الخبراء والتقنيين من المغرب والجزائر وموريتانيا، تمهيداً لاجتماعات رفيعة المستوى قد تُعقد في واشنطن خلال أبريل أو مايو المقبلين.
توزيع الاختصاصات والضمانات الدستورية
ينص المشروع على توزيع للاختصاصات يجمع بين لائحة حصرية لاختصاصات الدولة السيادية، وأخرى مفصلة لاختصاصات الجهة، مع اعتماد مبدأ التفريع، بحيث تبقى أي صلاحية غير منصوص عليها ضمن اختصاصات الدولة ما لم يُتفق على خلاف ذلك.
وتُحصر صلاحيات الدولة حصرياً في الدفاع الوطني، والأمن الاستراتيجي، والسياسة الخارجية، والتمثيل الدبلوماسي، والعملة، والجنسية، والرموز السيادية، والنظام القضائي الأعلى. في المقابل، تشمل صلاحيات الجهة مجالات التخطيط العمراني والاقتصادي، والتنمية الصناعية والسياحية، وتدبير الصيد البحري، والسياسات الاجتماعية والصحة والتعليم والبيئة والبنية التحتية المائية والطاقية، إضافة إلى النهوض الثقافي، مع سلطة إصدار قواعد تنظيمية ملزمة في هذه المجالات.
كما يكرس النص مبدأ “الولاء الدستوري”، ويتيح للدولة، في حالات استثنائية ومؤطرة قانونياً، تعليق بعض الصلاحيات الجهوية إذا تعرض النظام الدستوري أو الوحدة الترابية لضرر جسيم.
برلمان جهوي وتمثيلية مزدوجة
يقترح المشروع إحداث برلمان جهوي بغرفة واحدة، يقوم على “شرعية مزدوجة”، إذ يجمع بين أعضاء منتخبين بالاقتراع العام المباشر وفق نظام تمثيلي نسبي، وأعضاء تعينهم القبائل الصحراوية المعترف بها، وفق معايير قانون تنظيمي يضمن الشفافية.
ويتضمن النص حصصاً إلزامية لتمثيلية النساء، ويمنح البرلمان سلطة تشريعية كاملة في نطاق اختصاصاته، بما في ذلك اعتماد قوانين تنظيمية جهوية بأغلبية معززة. كما يحتفظ المنتخبون الجهويون بعضويتهم في البرلمان الوطني، ضماناً لمشاركة الإقليم في القرارات السيادية.
ويقترح أيضاً إنشاء مجلس اقتصادي واجتماعي وبيئي جهوي بصفة استشارية إلزامية في ما يتعلق بالميزانية، ويضم ممثلين عن القطاعات المنتجة والقبائل والمنظمات المهنية وجمعيات النساء والشباب.
تنظيم السلطة التنفيذية والخلاف حول طريقة التعيين
يقود الجهاز التنفيذي رئيس حكومة جهوي يُنصّب رسمياً من قبل الملك وفق آلية مؤطرة دستورياً. ويُعدّ هذا البند من نقاط الخلاف في المفاوضات، إذ تطالب جبهة البوليساريو بانتخاب مباشر للرئيس، فيما تدافع الرباط عن صيغة التعيين المؤطر تفادياً لقيام شرعية تنفيذية موازية قد تنافس المؤسسات الوطنية.
ويتمتع رئيس الحكومة الجهوي بسلطة تنظيمية، ويشرف على الإدارة الجهوية، ويقترح التشريعات، ويمكن مساءلته عبر ملتمس رقابة بنّاء يقتضي تعيين خلف له. كما يضطلع بدور ممثل الدولة داخل الجهة.
قضاء جهوي وآليات للرقابة
ينص المشروع على إحداث محاكم ابتدائية واستئنافية جهوية تطبق القوانين الجهوية باسم الملك، إضافة إلى محكمة عليا جهوية تختص بالنزاعات المتعلقة بالقانون الجهوي، مع خضوعها للرقابة الدستورية الوطنية.
ويتضمن آلية لحل النزاعات بين الدولة والجهة عبر لجنة مختلطة قبل الإحالة على المحكمة الدستورية، مع إمكانية الطعن الدستوري من قبل الحكومة المركزية أو عدد محدد من البرلمانيين.
نظام مالي ورقابة مزدوجة على الاستثمارات
يعتمد النظام المالي على موارد ذاتية تشمل ضرائب ترابية وإتاوات على استغلال الموارد الطبيعية ونسبة محددة من العائدات الوطنية المتأتية من الإقليم. كما ينص على آلية للانضباط الميزاني وتنسيق الاقتصاد الكلي، وعلى مساهمة الجهة في الميزانية العامة مقابل الاستفادة من صندوق للتوازن تحت رقابة المجلس الأعلى للحسابات.
ويخضع الاستثمار الأجنبي لرقابة مزدوجة جهوية ووطنية عبر ترخيص تراكمي، في بند أثار اعتراض الجزائر خلال المفاوضات، وفق الموقع، فيما تؤكد الرباط تمسكها بمبدأ السيادة الاقتصادية والأمن الاستراتيجي.
مصالحة وعودة وانتقال
يتضمن النص ترتيبات خاصة بمشاركة سكان مخيمات تندوف، عبر آليات تسجيل وتقييد وضبط للهوية، وإنشاء لجنة دائمة لتنظيم العودة، مع مساطر طعن وتوثيق. كما ينص على آلية انتقال تشمل نزع السلاح وإعادة الإدماج، مصحوبة بعفو منظم يستثني الجرائم الدولية.
استفتاء واندماج دستوري
يقضي المشروع بعرض النظام الأساسي للحكم الذاتي على استفتاء وطني يشارك فيه جميع الناخبين المغاربة، ثم إدماجه في الدستور ضمن باب خاص محصن ببند عدم المساس، مع إخضاع أي تعديل لاحق لإجراءات مشددة بأغلبية معززة في البرلمانين الجهوي والوطني.
ويربط تفعيل النظام بمسار الجهوية المتقدمة على الصعيد الوطني، تفادياً لأي إخلال بمبدأ المساواة الترابية.
الهوية والرموز والسيادة
يؤكد النص أن العلم والنشيد والشعار والعملة تبقى حصرياً من اختصاص الدولة، مع الاعتراف بالهوية الحسانية كمكوّن من التراث المغربي وإحداث معهد جهوي خاص بها. كما يحدّد صلاحيات قوات الأمن الترابية في نطاق الشرطة الإدارية والقضائية المحلية تحت تنسيق وطني، ويحظر أي دبلوماسية موازية.
وينص أيضاً على جدول زمني للتنزيل التدريجي، وآلية تقييم كل خمس سنوات، وبند “عدم القابلية للرجوع” الذي يستبعد أي تأويل يمنح حق الانفصال، مع إشراك الجهة في الاستراتيجية الأطلسية والأفريقية للمملكة في إطار منسق.
ووفق مصادر قريبة من إعداد المشروع، نقل عنها موقع “اطالايار ” الإسباني، فإن النموذج المقترح يستلهم تجارب الحكم الذاتي في إسبانيا وغرينلاند، إضافة إلى مقاربة دستورية قريبة من النموذج الفرنسي كما في اتفاق نوميا، مع تكييفها للخصوصية الدستورية المغربية وللطابع الوحدوي للدولة.
ولا تزال الوثيقة قيد التطوير ولم تُنشر بعد بشكل رسمي، إذ تخضع بعض بنودها لتحكيم مستمر، بحسب المصدر ذاته.
المصدر:
لكم