آخر الأخبار

من قال إن الصحافة كانت أفضل في الماضي؟! آه على الزمن الجميل الذي كنا نكتب فيه عن غزو الأقزام للدار البيضاء وعن خروج الجن و عن عثورنا على مدينة أطلانتيس الغارقة في المحيط .

شارك

حميد زيد – كود//

كان يا ماكان في قديم الزمان وسابق العصر والأوان.

كان هناك عصر تذهب فيه الجريدة إلى المطبعة كل يوم.

وكان فيها حبر يسود يد القارىء.

وكلمات متقاطعة.

و رسائل مكتوبة بخط اليد تصل إلى المكتب.

وبريد قراء.

ومساهمات. و اقتراحات. ومحاولات في القصة. والشعر. وكتابة المقال.

وكانت هناك شركات توزيع.

و كانت الصحافة المغربية كما يحكى مستقلة.

و حرة.

و ورقية.

و تمنع بين الفينة والأخرى. أو يتعرض عدد من أعدادها للحجز.

لكن من هذا الذي يدعي أن الصحافة كانت أفضل في الماضي.

من هذا الكذاب.

فرغم كل هذه الميكروفونات المنتشرة اليوم.

ورغم كل هذا التطفل على المهنة.

ورغم كل التراجعات.

فلا أحد يجرؤ في هذا الزمن الإلكتروني أن يكتب خبرا عن خروج عدد من الأقزام في مدينة الدار البيضاء.

متحدثا عن وجود غار.

وعن طول الأقزام الذي لا يتعدى الثلاثين سنتمترا.

وقد كنا ننشر ذلك في الصفحة الأولى. وبالبنط العريض.

وبثقة في النفس.

وفي الدور الذي نلعبه.

كما كنا نخبر القراء كل يوم بالوضع. وبالجديد في الموضوع.

و بغزو الأقزام.

وتقدمهم.

و اقترابهم من مركز المدينة.

و نتحدث مع من رأوهم. ونقدم شهاداتهم في صحفيتنا.

وليس هذا فحسب.

بل حدث أن عثرنا في منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة على أسرة من الجن في منزل بالدار البيضاء.

كان أفرادها. وبمجرد أن ينام سكان المنزل من الإنس. يضرمون النار.

وفي كل ليلة يفعلون ذلك.

ولما ضاق أصحاب البيت ذرعا بتصرفات الجن.

دون أن تتدخل الشرطة التي لم تكن لها أي سلطة على هذه الكائنات.

فإنهم لم يجدوا من حل إلا أن يتصلوا بجريدتنا التي كانت الأولى في المغرب من حيث المبيعات.

وفعلا ذهبنا إلى عين المكان.

و تحدثنا مع البشر. ومع الجيران. ورأينا النار الخامدة.

بينما استعصى علينا أن نكون محايدين. ومهنيين. بعد أن تعذر علينا الاتصال بالطرف الآخر.

وهو الجن.

وكي تكون مستقلا. وحرا. ومهنيا. في تلك الفترة الذهبية من تاريخ الصحافة. فإنه كان من الواجب عليك أن تأتي برواية كل الأطراف.

ورغم ذلك غامرنا ونشرنا الخبر في صدر الصفحة الأولى.

مضحين بمهنيتنا. واستقلاليتنا.

ومن حسن حظنا أننا لم نتوصل بأي تكذيب. ولا بيان حقيقة. من ممثلي الجن.

الذين أسأنا إلى سمعتهم.

و نقلنا صورة سيئة عنهم. باعتبارهم كائنات تعتدي على الناس. وتقتحم بيوتهم الآمنة. و تضرم فيها النار. بينما الناس نيام.

وقد تتهم الصحافة اليوم بالتشهير.

وهذا صحيح.

وقد تتهم بالقذف.

وهذا أيضا صحيح.

وقد تتهم بتراجع المستوى.

ولا أحد يشك في ذلك.

إلا أن الصحافي اليوم. ومهما كان متطفلا على المهنة.

ومهما كان له من ميكرو.

ومهما كان ميالا إلى الإثارة.

ومهما كان تكوينه ضعيفا.

فإنه لن يفكر أبدا في كتابة خبر عن خروج الأقزام والجن.

وربما كان القارىء في الماضي.

وفي عز الصحافة.

و في زمنها الجميل.

مستعدا لأن يصدق مثل هذه الأخبار.

وكان يطلبها منا. فنستحيب لحاجياته. ونكتب له ما يريده.

و نمنحه صورة مثيرة لفنانة في الصفحة الأخيرة.

فيشتري الجريدة دون تردد.

بينما القارىء اليوم له ما يكفي من خيال.

ومن واقع افتراضي.

ومن واقع معزز.

ومن مسلسلات وأفلام.

وله كل الصور في هاتفه. وله كل الإثارة. وكل العري.

إلى درجة أنه أصبح يعاني من عدم قدرة أي شيء على إثارته.

و يريد من يقدم له الواقع.

لكن الواقع لم يعد متاحا للأسف. ولم يعد من السهل الوصول إليه.

ولا تغطيته صحافيا.

و قد يكون الحنين إلى الماضي هو الذي يجعلنا نتحدث عن الصحافة الورقية بإيجابية.

ونظن أنها كانت أفضل من الصحافة الآن.

وأن الأقلام

والأسماء

كانت تكتب أفضل مما يكتب اليوم.

لكني أنتمي إلى ذلك الماضي

وأتحدى أي حامل ميكرو

وأي صحافي يمارس المهنة اليوم من داخل سيارته

أو من داخل فيديو

أن يقوم بتحقيق صحفي

ويكتشف مدينة أطلانتيس الغارقة في الماء

ويعثر عليها في المحيط المغربي

والحال أننا نحن من عثر عليها حين كنا نشتغل في يومية ورقية.

و عرضناها على القراء.

وبسبب تضييق السلطة علينا.

وبسبب غياب الحرية

وجبن أصحاب الإعلانات

تعرضنا للإفلاس.

لتختفي آخر جريدة مستقلة اشتغلت فيها

و لتختفي معها مدينة أطلانتيس

بكل ما فيها من ذهب

ومن آثار ثمينة.

بعد أن كنا نفكر في اقتسامها في ما بيننا

ولكل زميل حصته

قبل أن تنتبه السلطة

وتقطع مع مرحلة كان فيها الصحافي

شجاعا

ونزيها

ومثقفا

ويكتشف الأقزام والجن

والمدن والممالك الغارقة تحت الماء.

كود المصدر: كود
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا