لا شك أن قرار مجلس الأمن رقم 2797 حول الصحراء المغربية أدخل القضية إلى مرحلة مفصلية، خاصة بعدما وضع قطار مفاوضات التسوية على سكة الحل المغربي المتمثل في مخطط الحكم الذاتي، جاعلا أي محاولة لإعادة إنتاج الخيارات والأطروحات منتهية الصلاحية خطوة خارج الإطار القانوني والأممي. وبذلك أصبح الطريق أمام الأطراف المعنية بهذا النزاع، خاصة الجزائر وجبهة البوليساريو، واضحا ويقتصر على البحث في الضمانات وآليات التنفيذ والتفاصيل التقنية لتنزيل المقترح المغربي.
ويؤكد مهتمون أن المغرب يدخل المحادثات مع الأطراف المعنية بأوراق قوية تزيد من ثقل موقفه التفاوضي، بدءا من الدعم الأمريكي لوحدته الترابية ورغبة إدارة واشنطن في تسريع تسوية هذا الملف وإنهاء حالة الجمود التي عرفها لعقود، إلى جانب الإجماع الدولي حول سيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية. إضافة إلى ذلك، تفرض السيطرة الأمنية والإدارية الفعلية على الأرض، والتنمية المستمرة والمشاريع الكبرى التي أُطلقت في الصحراء، ثم المشاركة الفعلية للسكان في تسيير شؤونهم، ضغطًا إضافيا على الأطراف المعرقلة لمسلسل حل النزاع، وتعطي للرباط موقعا تفاضليا في مسار المفاوضات.
جواد القسمي، باحث في العلاقات الدولية والقانون الدولي، قال إن “المحادثات حول قضية الصحراء المغربية، التي تأتي برعاية أمريكية، تختلف هذه المرة عن أي محادثات سابقة؛ بالنظر إلى مجموعة من المعطيات والتحولات التي يعرفها الملف”، مبرزا أن “هذه المحادثات ستكون محكومة بمحددات جديدة، منها عدم قبول المغرب بأي محاولة للعودة إلى نقطة الصفر أو مناقشة أي خيارات قديمة أو طروحات متجاوزة كالاستفتاء أو التقسيم، وبالتالي فمن المتوقع أن تدور المحادثات حصريا حول المبادرة المغربية للحكم الذاتي كأساس وحيد، حيث سيكون النقاش حول الضمانات وكيفية تنزيل المبادرة وبعض الأمور التقنية، بعيدا عن مسألة السيادة التي حسمها المغرب لصالحه”.
وأضاف القسمي، في تصريح لهسبريس، أن “الرعاية الأمريكية لهذه المحادثات سيكون لها أثر مهم، حيث ترغب واشنطن في وضع حد لهذا النزاع، خاصة مع وجود ترامب في سدة الرئاسة الأمريكية، ومن المتوقع أن يكون هناك ضغط أمريكي قوي على الأطراف المعرقلة لحل هذا النزاع (الجزائر والبوليساريو) من أجل القبول بالواقعية السياسية التي تتماشى مع الحل المقترح من طرف المغرب، وإلا مواجهة العزلة الدولية”.
وتابع بأن “الجزائر سيصعب عليها التمسك بموقفها التقليدي كطرف محايد في هذا النزاع؛ إذ ستجبر مدفوعة بالقرار الأممي الأخير 2797 وبالضغط الأمريكي على الانخراط كطرف مباشر في النزاع المفتعل من أجل التوصل إلى حل أساسه الحكم الذاتي”.
وزاد قائلا: “لا شك، ستكون هناك مقاومة من الجزائر وبعض المناورات ربما حول بعض التفاصيل الواردة في المبادرة المغربية للحكم الذاتي، لكن هذا الأمر بالنسبة للمغرب سيكون مختلفا لأنه يدخل هذه المحادثات وبجعبته العديد من الأوراق الرابحة التي تجعل موقفه التفاوضي أقوى: أولًا، الإجماع الدولي الذي يحظى به الموقف المغربي من اعتراف صريح من العديد من الدول، منها قوى كبرى دائمة العضوية في مجلس الأمن. بالإضافة إلى ذلك، فالمغرب يدخل هذه المحادثات بسيطرة أمنية وعسكرية وإدارية على الأرض، وتنمية حقيقية في أقاليمه الجنوبية يشهد بها الجميع، ومشاريع كبرى، وانتخابات يشارك فيها الشعب الصحراوي تجعل من الحكم الذاتي مطبقًا على أرض الواقع ولو جزئيًا”.
وشدد المصرح لهسبريس على أن “إحدى أهم الأوراق التي يملكها المغرب ورقة القوة الأمنية والاستخباراتية، فالمغرب شريك موثوق للغرب. وواشنطن والدول الأوروبية، ومنها إسبانيا وفرنسا، تدرك أن أي كيان انفصالي ضعيف سيجعل المنطقة مرتعا للإرهاب والجريمة، وهي ورقة ضغط مهمة للمغرب يحرص الغرب على الاستفادة منها”، مسجلا أن “المغرب يذهب للمحادثات لتقديم مخرج مشرف للطرف الآخر والاتفاق على طرق وسبل دمج الساكنة في تندوف وتدبير المنطقة تحت السيادة المغربية، لأن المغرب حقيقة اليوم يملك الأرض والدعم الدولي. في المقابل، الطرف الآخر لا يملك إلا الشعارات المتجاوزة”.
يرى محمد عطيف، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة، أن “اضطلاع واشنطن بدور الراعي المباشر لمسار المحادثات حول قضية الصحراء ينسجم مع موقفها المعلن والداعم لمغربية الصحراء منذ الإعلان الرئاسي الأمريكي في عهد دونالد ترامب، ويعكس في العمق تناميا واضحا للاعتراف الدولي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، مما يحد من هامش المناورات الإقليمية التي طالما رافقت هذا النزاع”.
وأبرز المتحدث أن “أي لقاء في إطار هذه المحادثات لا يمكن اعتباره مجرد محطة تفاوضية عابرة، بل يندرج ضمن دينامية دولية متقدمة تسعى إلى تكريس مقاربة الواقعية السياسية، القائمة على الشرعية التاريخية والقانونية للمغرب، في مقابل أطروحات انفصالية تراجعت مصداقيتها بشكل ملحوظ داخل المنتظم الدولي. فالسياق العام يوحي بأن النقاش يتجه، بشكل متزايد، نحو حلول عملية وقابلة للتنفيذ، بدل إعادة إنتاج مقاربات ثبت عجزها عن الإسهام في تسوية النزاع”.
وأبرز المصرح لهسبريس أن “هذا المنحى يعزز استعداد الرباط لتقديم صيغة مفصلة ومحيّنة للمقترح، توضح بشكل دقيق آليات تدبير ذاتي واسع في ظل السيادة المغربية، وهو ما ينسجم مع المواقف الأمريكية ومع الدعم الذي يحظى به هذا الطرح من قوى دولية وازنة. وفي هذا السياق، يصبح أي التشبث بمواقف متصلبة خارج هذا الإطار بمثابة عرقلة مباشرة لمسار التسوية، مما يفاقم عزلة الأطراف التي ما تزال تراهن على خيارات غير قابلة للتحقق”.
وذكر الأستاذ الجامعي ذاته أن “الموقف المغربي في هذا المسار يستند إلى عناصر قوة متراكمة، في مقدمتها الحضور الفعلي والسيادة الميدانية الكاملة على الأقاليم الجنوبية، مدعومة بمسار تنموي عميق أعاد تشكيل البنية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة، وجعلها نموذجا للاندماج الوطني والاستقرار. كما يحظى هذا الموقف بإسناد دولي متزايد من قوى كبرى وشركاء إقليميين، ما يكرس تراجع الطروحات الانفصالية على المستويين السياسي والدبلوماسي. ويضاف إلى ذلك رصيد تاريخي وقانوني راسخ، يجعل أي تصور للحل خارج إطار الوحدة الترابية للمملكة تصورا يفتقر إلى الأسس الواقعية”.
وخلص محمد عطيف إلى أن “أي لقاء بين أطراف النزاع المفتعل حول الصحراء لا يمكن إلا أن يعزز الموقف التفاوضي للمغرب في سياق دولي بات أكثر ميلا إلى تغليب منطق الاستقرار والحلول العملية على الشعارات الإيديولوجية. ومن شأن النهج الدبلوماسي الهادئ والحازم الذي تنتهجه الرباط، تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس، أن يساهم في ترسيخ السيادة المغربية على الصحراء، وتهيئة شروط تسوية نهائية لنزاع طال أمده، مما يفتح آفاقا أوسع للتعاون الإقليمي والتنمية المشتركة في المنطقة”.
المصدر:
هسبريس