خلال حوار مصور بثه الإعلام الجزائري نهاية الأسبوع الماضي، اختار الرئيس عبد المجيد تبون التركيز على علاقات بلاده الإقليمية والدولية، متجنبا الخوض في ملف الصحراء المغربية، رافضا الإجابة بشكل مباشر عن أي أسئلة تتعلق بالعلاقات الجزائرية-الفرنسية، مكتفيا بالثناء على زيارة رئيسة جمعية فرنسا-الجزائر، سيغولين روايال، إلى الجزائر في 27 يناير الماضي.
وفي معرض حديثه عن الشؤون الدولية، أكد تبون أن الجزائر تحافظ على علاقات متوازنة مع القوى الكبرى، مشيرا إلى الولايات المتحدة وروسيا والصين، مشددا على حرص بلاده على الاستقرار وعدم الرضوخ لأي ضغوط خارجية. كما وجّه اتهامات مبطنة إلى دولة خليجية، محملا إياها مسؤولية محاولات التدخل في الانتخابات الجزائرية والسعي لإفقار البلاد.
وتوقف تبون عند زيارة كبير مستشاري الرئيس الأمريكي لشؤون إفريقيا والشرق الأوسط، مسعد بولس، إلى الجزائر، واصفا الزيارة بأنها تعكس مستوى الارتياح المتبادل في العلاقات بين البلدين، مؤكدا أن بولس يملك دراية كبيرة بملفات شمال إفريقيا والعالم العربي نظرا لأصوله وخبرته وقربه من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، معربا عن تطلعه لتعزيز التعاون الثنائي في المستقبل.
وفي الشأن الإقليمي، شدد الرئيس الجزائري على أن بلاده لا تمارس أي ضغط على جيرانها، مثل موريتانيا، التي وصف العلاقات معها بأنها أخوية ومليئة بالتعاون في مختلف المجالات، بما فيها الصحة، لافتا إلى أن بلاده لطالما حاولت الحفاظ على ليبيا والاستقرار فيها منذ عهد الرئيس السابق معمر القذافي، مصرحا بأن الجزائر تعمل وفق مصالح مشتركة ومبدأ المصير الواحد.
كما تطرق تبون إلى علاقات الجزائر مع مالي وبوركينافاسو، معتبرا أن الأزمة مع مالي ناتجة عن تحركات أطراف دولية، فيما أشاد بمستوى العلاقة مع بوركينافاسو قبل أن يختم حواره بالتأكيد على أن الجزائر تنتهج سياسة خارجية قائمة على الاستقرار، وأن أي محاولة لإلحاق الضرر بها “ستعود على أصحابها بنتائج عكسية”، وفق تعبيره.
تفاعلا مع الموضوع، قال الفاعل السياسي دداي بيبوط إن اللقاء الإعلامي الدوري الذي عقده الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يندرج في إطار محاولة إعادة تسويق رؤية رسمية للوضع السياسي والدبلوماسي والاقتصادي للجزائر، عبر التركيز على شعارات السيادة الوطنية والتحول الاقتصادي والسياسة الخارجية، في سياق إقليمي ودولي يتسم بتراجع الحضور الدبلوماسي الجزائري، خاصة على مستوى قضية الصحراء المغربية.
وأوضح بيبوط، ضمن إفادة لهسبريس، أن هذا الظهور الإعلامي لا يمكن فصله عن الإخفاقات المتتالية التي مُنيت بها الدبلوماسية الجزائرية، مقابل تنامي الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء وترسخ مقترح الحكم الذاتي كحل جدي وواقعي للنزاع، وهو ما جعل السلطة الجزائرية تلجأ إلى خطاب داخلي موجه للاستهلاك الأيديولوجي أكثر منه قراءة واقعية لموازين القوى.
وأكد الباحث في التاريخ المعاصر والحديث أن ربط القيادة الجزائرية بين السيادة الوطنية وخيارات الاكتفاء التمويلي الذاتي للمشاريع الكبرى، كما ورد في تصريحات تبون، يتناقض مع الممارسات الفعلية للمؤسسات الرسمية، مبرزا أن “منع التظاهر الداعم للقضية الفلسطينية داخل الجزائر، في مقابل الزخم الشعبي والرسمي الذي شهدته الساحة المغربية، يكشف عن ازدواجية واضحة بين الخطاب المعلن والواقع السياسي”.
واسترسل المحلل السياسي قائلا إن الترويج لنجاعة مشاريع كبرى، من قبيل منجم غار جبيلات، يصطدم بإسكات الأصوات الجزائرية المتخصصة والناقدة، مستشهدا بقضية الخبير الاقتصادي جلول سلامة، معتبرا أن ذلك يعكس منسوب التضييق على حرية الرأي والتعبير، وهيمنة المقاربة الأمنية والعسكرية على تدبير الملفات الاقتصادية والاستراتيجية.
ونبه المتحدث إلى أن تقديم السياسة الخارجية الجزائرية على أنها قائمة على “المبادئ لا البراغماتية” لا يصمد أمام الفحص، موضحا أن جزءا كبيرا من تحركات الجزائر الدبلوماسية في إفريقيا ومناطق أخرى ظل موجها لخدمة أجندة جبهة البوليساريو، دون تحقيق مكاسب حقيقية للشعب الجزائري أو تعزيز مكانة الجزائر الإقليمية.
وشرح بيبوط أن مهاجمة دولة الإمارات، والامتناع في المقابل عن الخوض في طبيعة العلاقات المتوترة مع فرنسا، يعكسان ارتباكا واضحا في الخطاب الرسمي الجزائري، مرتبطا أساسا بالدعم المتنامي لمغربية الصحراء من طرف شركاء دوليين وازنين.
وخلص دداي بيبوط إلى أن صمت الرئيس الجزائري بشأن الأزمة مع باريس يحمل دلالات سياسية عميقة، سواء باعتباره محاولة لتفادي التصعيد، أو إقرارا ضمنيا بتراجع هامش المناورة الدبلوماسية للجزائر، أو رسالة تفيد بأن السلطة لم تعد قادرة على فرض شروطها في ملفات باتت تحكمها تحولات دولية لا تصب في صالحها.
من جهته، سجل الشيخ بوسعيد، باحث في القانون العام مهتم بنزاع الصحراء المغربية، أن تصريح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يأتي في سياق ضغوط سياسية واقتصادية متزايدة تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية على الجزائر، بهدف دفعها إلى التعاطي الإيجابي مع المقترح المغربي للحكم الذاتي، والانسجام مع قرار مجلس الأمن الأخير رقم 2797، الذي كرس المبادرة المغربية باعتبارها الأساس الجدي والواقعي للتوصل إلى حل نهائي للنزاع المفتعل حول الصحراء.
وأوضح بوسعيد، في تصريح لهسبريس، أن محاولة تبون تقديم موقف بلاده من قضية الصحراء على أنه منسجم مع مواقفها من قضايا تقرير المصير، لا سيما القضية الفلسطينية، يندرج ضمن خطاب سياسي موجه للخارج أكثر مما يعكس تحولا حقيقيا في العقيدة الدبلوماسية الجزائرية.
وذكر المحلل السياسي ذاته أن حديث الرئيس الجزائري عن عدم وجود خلافات مع الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين، وربط عودة العلاقات الجزائرية الإسرائيلية بحل الدولتين، يتقاطع ظاهريا مع الخطاب المغربي الرسمي، غير أنه يتناقض مع التصريحات السابقة التي اعتبرت استئناف العلاقات المغربية-الإسرائيلية سببا مباشرا في قطع العلاقات مع الرباط بدعوى تهديد الأمن القومي الجزائري.
وتوقف المتحدث عينه عند هذا التناقض في الخطاب الجزائري، موردا أن تصوير التقارب المغربي-الإسرائيلي كخطر استراتيجي يتعارض مع تصريحات تبون الأخيرة التي تساوي بين موقف بلاده من الصحراء وموقفها من القضية الفلسطينية.
وشرح أن “هذا التحول في الخطاب يعكس ارتباكا سياسيا واضحا ومحاولة للتكيف مع التحولات الإقليمية والدولية دون مراجعة حقيقية للأسس التي بُني عليها الموقف الجزائري”.
وأضاف الباحث في خبايا النزاع أن الموقف المغربي من القضية الفلسطينية ظل ثابتا، سواء قبل أو بعد استئناف العلاقات مع إسرائيل، وهو ما عبّر عنه الملك محمد السادس وأعاده التأكيد عليه وزير الخارجية، ناصر بوريطة، في قمة النقب، من خلال التشديد على دعم حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
كما لفت الشيخ بوسعيد إلى أن الولايات المتحدة تسعى من خلال تحركاتها في شمال إفريقيا إلى حماية مصالحها الاستراتيجية وتعزيز شراكاتها التقليدية، خاصة مع المغرب الذي تجمعه معها علاقات تاريخية ومتجذرة، إلى جانب محاولة إعادة تقييم علاقاتها مع الجزائر في ظل تقارب هذه الأخيرة مع روسيا والصين.
وخلص بوسعيد في حديثه لهسبريس إلى أن الخطاب السياسي الجزائري، في ظل هذه التحولات، يصطدم بواقع داخلي مأزوم، يتمثل في تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، واستمرار معاناة المواطن الجزائري من الفقر والبطالة والهجرة غير النظامية، رغم ما تزخر به البلاد من ثروات طبيعية، وهو ما يضع علامات استفهام حول أولويات السلطة الحاكمة.
المصدر:
هسبريس