أقدمت عناصر من الجيش الجزائري، أمس الأربعاء، على تسييج الحدود المغربية الجزائرية في منطقة إيش بإقليم فجيج، من خلال وضع علامات حجرية مصبوغة باللون الأبيض بشكل أحادي قرب خط الحدود، بينما كانت عناصر من الجيش الملكي المغربي تتابع الوضع عن كثب. كما قامت القوات الجزائرية بنزع بعض شبابيك الحماية عن بساتين للساكنة وأطلقت الرصاص في السماء حتى المساء، وهو ما أثار حالة من القلق والذهول لدى السكان، قبل أن تقوم القوات المسلحة الملكية بطمأنتهم والتأكيد على رفع المعطيات للمستويات العليا.
وتأتي هذه التطورات في سياق متوتر وبعد أيام قليلة من حادث مقتل ثلاثة مغاربة برصاص الجيش الجزائري، وفي ظل غياب أي توضيح رسمي من السلطات المغربية أو الجزائرية بشأن الحادث الأخير. وذكر المصدر أن هذه ليست المرة الأولى التي تشهد فيها المنطقة توترات مماثلة، مذكرا بحادثة منطقة العرجة بفجيج سنة 2021، حيث يتزامن هذا التصعيد مع استمرار قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وإغلاق الحدود البرية منذ عام 1994، مما يعكس حالة من الجمود غير المسبوق في العلاقات الثنائية.
وفي هذا السياق، اعتبر عبدالرحيم المنار اسليمي، رئيس المركز الأطلسي للدراسات الاستراتيجية والتحليل الأمني، أن ما وقع بالقرب من واحات قصر ايش بالمنطقة الشرقية المغربية هو استفزاز جزائري غير محسوب المخاطر، مؤكدا أن الأمر يتعلق بسلوك أحادي يهدف إلى تغيير الوضع القائم ودفع المغرب الى رد الفعل وإمكانية الوصول إلى اشتباك.
وأوضح اسليمي في تصريح خص به جريدة “العمق” أن الجزائر تحاول منذ قطع العلاقات الدبلوماسية تحويل مناطق الاحتكاك بين الشرق المغربي والغرب الجزائري إلى فضاء عسكري، وهو ما يفسر تعمدها إطلاق سرديات اتهام ضد مغاربة في المناطق الشرقية وإطلاق النار عليهم. وأشار إلى وجود تفسيرات متكاملة لهذا الاستفزاز، أولها أن الجزائر تريد فرض مقاربتها الخاصة للحدود دون مفاوضات، مقرة بذلك، بوعي أو بدونه، أن الحدود ليست مرسمة بشكل نهائي بين البلدين، وهو سلوك يتعارض مع قواعد القانون الدولي واتفاقيات نهاية الستينات وبداية السبعينات.
وأضاف المحلل الاستراتيجي أن الجزائر تدرك جيدا أن ميزان القوى بات لصالح المغرب وأنها لم يعد لها أي تأثير في الحرب الدبلوماسية، فتعمد إلى محاولة استعراض القوة قرب المناطق الشرقية المغربية. وتابع أن التفسير الثاني هو أن النظام العسكري الجزائري يريد بهذا السلوك الاستفزازي اختبار المغرب وانتظار رد فعله، وقد تكون الجزائر بصدد عملية استباقية لوضع تعرف أنه بات قريبا.
وكشف أن التفسير الثالث له علاقة بملف الصحراء المغربية، حيث يتزايد التحرك الجزائري قرب المناطق الشرقية نتاجا للوضع المتردي الذي بات يعيشه البوليساريو، وهي عقيدة عسكرية جزائرية موروثة عن خالد نزار منذ بداية الثمانينيات، حينما كانت الجزائر تعد لمخطط استفزازي للاشتباك مع الجيش المغربي ردا على بناء الجدار الأمني. وأشار إلى أن التفسير الرابع مرتبط بملف غار جبيلات والصحراء الشرقية واتفاقية 1972، حيث تناور الجزائر بهذا السلوك للهروب من هذه القضية وضرب أي إمكانية لفتحها، خوفا من الربط القائم بأن الشروع في استغلال غار جبيلات يعني قانونيا سقوط كل اتفاقيات ترسيم الحدود.
واختتم المنار اسليمي تصريحه بالقول إن الجزائر بكل هذا الاستفزاز المتواصل باتت تبحث عن حرب في شكل اشتباك قصير المدى يتدخل معه المجتمع الدولي لفرض مفاوضات على الطرفين، معتبرا أن النظام العسكري الجزائري بات في ورطة كبيرة يعتقد أن الخروج منها يكمن في التصعيد مع المغرب لإدارة الوضع الداخلي الصعب. وأكد أن نظام تبون وشنقريحة فقد كل أوراق التنافس مع المغرب، مما يجعله في مواجهة نظام جزائري وصل إلى حالة سيكولوجية من القمار لا يملك فيها سوى ورقة التصعيد، وهو ما يجعل مؤشر الحرب مع الجزائر يعود مرة أخرى ليصبح مرتفعا جدا.
المصدر:
العمق