في قلب مدينة وجدة، التي كانت تلقب ذات زمن بـ”عاصمة الشرق الثقافية”، خفتت الأضواء وانطفأت الشاشات، لتجد المدينة نفسها اليوم بلا قاعة سينمائية واحدة. هذا الواقع الثقافي المؤلم تختصره عبارة خالد سلي، رئيس جمعية “سيني مغرب” ومدير المهرجان المغاربي للفيلم، حين يقول: “أصبحنا بصفر قاعة”. عبارة موجعة تختزل مسارا من التدهور الثقافي، وتفتح باب الأسئلة حول مصير الفن السابع في مدينة كانت يوما مناراته تتلألأ في كل زاوية.
“سينما الملكي” لم تكن سوى آخر حلقة في سلسلة الانهيارات. فبعد سنوات من الإهمال وسوء التسيير، أغلقت أبوابها سنة 2023، لتنضم إلى قاعات سبقتها إلى المصير ذاته. بعض هذه الفضاءات خضع لإصلاحات في إطار شراكات دولية، كتوأمة مع مدينة ليل الفرنسية، غير أن تلك الإصلاحات لم تحترم المعايير التقنية، خصوصا في ما يتعلق بانحدار الكراسي الذي شوّه تجربة المشاهدة.
وما يزيد من مرارة المشهد، كما يوضح سلي في تصريحه لـ”العمق”، أن إحدى القاعات أُسند تسييرها إلى شركة رياضية لا علاقة لها بالثقافة، فكتبت نهايتها بيدها. ورغم الوعود التي قدمت لجمعية “سيني مغرب” لتدبيرها، إلا أن تدخلات في آخر لحظة أجهضت المشروع.
في المقابل، تتعدد الأسباب التي دفعت بالقاعات السينمائية في وجدة إلى الإغلاق، وتتراكم العوامل التي عمّقت الأزمة. أولها تقادم البنية التحتية وغياب أي إرادة حقيقية للتجديد، في وقت كانت فيه مدن مغربية أخرى تشهد ولادة مركبات سينمائية عصرية. أما ملاك القاعات، فقد ظلوا أسرى نماذج عرض متجاوزة، متمسكين بأفلام قديمة متدهورة الجودة، غير قادرين على مجاراة التحولات.
وإلى جانب ذلك، يشير سلي إلى دور لوبيات التوزيع التي احتكرت الأفلام الجذابة وفرضت أثمنة باهظة، ما خنق القاعات التي كانت تحاول الصمود. ومع الطفرة الرقمية، اجتاحت المنصات الإلكترونية المشهد، مقدمة عروضا عالمية بأسعار زهيدة، وسحبت البساط من تحت القاعات التقليدية. كما أن اندثار الأندية السينمائية، التي كانت تشكل فضاءات للنقاش والتكوين، ساهم في تآكل الذوق السينمائي العام.
وفي هذا السياق، يسلط فريد بوجيدة، أستاذ السوسيولوجيا بكلية الآداب بوجدة، الضوء على البعد التاريخي لهذه القاعات، مبرزا أنها تأسست في عهد الاستعمار الفرنسي، وكانت جزءا من المرافق التي شيدها المستعمِر لأغراض التسلية والتوجيه الثقافي. وقد تميزت هذه القاعات بمعمارها الجميل، واحتضنت عروضا سينمائية وأنشطة ترفيهية، لتصبح لاحقا جزءا من الذاكرة الحضرية للمدينة.
وإذا عدنا إلى أسماء تلك القاعات، نجد أن لكل منها حكاية ووقعا في ذاكرة الوجديين: “المغرب”، “كوليزي”، “باريس”، “فوكس”، “المعراج”، “النصر”، “الفتح”، “الملكي”، و”الريف”. كانت هذه الفضاءات تحتضن أفلام الحركة، ورعاة البقر، والسينما الهندية والمصرية، بل احتضنت سينما باريس وكوليزي المهرجان الوطني السابع للسينما المغربية سنة 2005.
غير أن غياب القاعات السينمائية لم يكن مجرد فقدان لبنايات، بل كان نكبة ثقافية بكل المقاييس. فمشاهدة فيلم داخل قاعة مظلمة، أمام شاشة بيضاء كبيرة، كانت لحظة استثنائية تختزل أجمل ما في الأسبوع؛ طقسا حميميا لا يشبه أي مشاهدة أخرى. ومع انقطاع هذه الطقوس، اهتزت الجوارح، وانهار جزء من الذاكرة الجماعية.
وما يعمق الإحساس بالخسارة، كما يحذر بوجيدة، هو الاعتقاد الخاطئ بأن اندثار القاعات السينمائية ظاهرة عالمية. ففي البلدان المتقدمة، لا تزال القاعات تعرض الأفلام وتعد من رموز الفخر الحضري. إذ لا يمكن تعويض فن المشاركة الجماعية بمشاهدة فردية عبر الهواتف أو الأقراص المدمجة.
ومن قلب الشارع، يعبر عبد القادر، متقاعد في الستين من عمره، عن هذا الحنين، وهو يتأمل واجهة سينما “فوكس” المغلقة: “كنا نعيش الفيلم بكل حواسنا. كنا نخرج من القاعة ونحن نقلّد البطل، نناقش النهاية، ونحلم. اليوم، حتى الحلم صار فرديا، معزولا خلف شاشة هاتف”.
ورغم هذا الانهيار، لا تزال السينما تلوح كأفق مفتوح أمام الشباب. فبفضل توفر أدوات التصوير والإبداع بأسعار معقولة، بات الحلم أقرب من أي وقت مضى. غير أن الحلقة المفقودة، كما يشير سلي، هي التكوين والتأطير، وهو ما يؤكده بوجيدة أيضا، معتبرا أن المشاهدة الجماعية، إذا أُخضعت لبرامج تربوية وفنية، يمكن أن تكون وسيلة فعالة للتربية والتثقيف، وتطوير الحس الجمالي والذوق السليم.
لكن المفارقة، كما يلاحظ بوجيدة، أن الاهتمام بالرياضة، خصوصا كرة القدم، لا يوازيه اهتمام بالثقافة البصرية، ما يكشف عن نظرة تسطيحية في ترتيب الأولويات.
أمام هذا الفراغ، برز المهرجان المغاربي للفيلم كفسحة أمل. فمنذ تأسيسه سنة 2012، حمل على عاتقه مهمة الترويج للأفلام المغربية والمغاربية والإفريقية والدولية. وقد أصبحت المهرجانات، كما يقول سلي، فرصة لمشاهدة الأفلام ومناقشتها في غياب القاعات، مشيرا إلى أن المركز السينمائي المغربي يمنح دعما يصل إلى 4 ملايين درهم لكل مستثمر يرغب في بناء قاعة سينمائية.
ولم تكتف جمعية “سيني مغرب” بتنظيم المهرجان، بل خاضت نضالا من أجل تصنيف سينما “فوكس” تراثا وطنيا، وهو ما تحقق. واليوم، تلوح بارقة أمل، إذ يحاول منتج ومستثمر صديق للجمعية، بدعم من السلطات الولائية، إيجاد وعاء عقاري لبناء مركب سينمائي بوجدة.
وفي ما يتعلق بالمسؤوليات، يشدد سلي على أن دور المسؤولين يتمثل في تسهيل اقتناء العقارات، بينما تقع المبادرة على عاتق المستثمرين. أما وزارة الثقافة، فهي تبذل مجهودات عبر المركز السينمائي، لكن المجلس الجماعي مطالب بالتدخل لاقتناء قاعة “فوكس”، المصنفة تراثًا وطنيًا.
من جهته، يقول فريد بوجيدة بدعوة صريحة إلى نهضة ثقافية تعيد للسينما وهجها، عبر تشييد قاعات جديدة تستجيب لمتطلبات العصر، معتبرا أنه لا يعقل أن تنظم المهرجانات في قاعات ضيقة لا تراعي شروط العرض السليم.
وانطلاقا من هذا الواقع، تبرز سيناريوهات واقعية لإعادة الحياة للسينما بوجدة، من بينها فضاءات العروض في الهواء الطلق، ومركبات سينمائية صغيرة للقرب، تقدم برمجة متنوعة تراعي الأذواق والفئات، إلى جانب قاعة كبرى تتسع لأكثر من 1000 مقعد لاحتضان التظاهرات والمهرجانات الكبرى.
ويختم سلي رسالته للفاعلين الثقافيين والمؤسساتيين بالتأكيد على أن الاستثمار في المركبات السينمائية أمر مربح إذا تم تدبيره بشكل معقلن، خاصة مع الدعم الذي تمنحه الدولة، داعيا إلى وضع العقارات رهن إشارة المستثمرين، والعمل على تحقيق نهضة سينمائية بمدينة وجدة، تعتمد على التكوين والتأهيل والمهرجانات.
وهكذا، تبقى وجدة، التي كانت يوما مناراتها السينمائية تضيء ليالي الشرق، تملك من الذاكرة والطاقات ما يكفي لتنهض من رماد الغياب، وتعيد للفن السابع مكانته كرافعة للوعي، ومرآة للهوية، ونافذة على العالم.
المصدر:
العمق