في أجواء من الحزن والأسى، ودعت الساحة السينمائية المغربية أحد أسمائها التي راكمت تجربة إبداعية وإنسانية وازنة، المخرج والسيناريست محمد عهد بنسودة، الذي شكل غيابه صدمة حقيقية داخل الوسط الفني والثقافي، لما كان يحظى به من تقدير مهني ومحبة إنسانية واسعة، ولما مثله من قيمة مضافة في مسار السينما المغربية الحديثة.
ولد الراحل في 17 يوليوز 1969، وسار منذ بداياته في درب اختار له العمق المعرفي والتكوين الأكاديمي أساسا للممارسة الإبداعية؛ فقد حصل على شهادة الإجازة في التاريخ والأدب الفرنسي من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمدينة فاس، قبل أن يتابع تكوينه السينمائي بجامعة السوربون بباريس، حيث نال شهادات في الدراسات السينمائية وتاريخ الفن وعلم الآثار، وهو ما انعكس بوضوح على أعماله التي اتسمت بالوعي الجمالي، والاشتغال على التفاصيل، والبحث الدائم عن المعنى داخل الصورة.
بفضل هذا التكوين المتعدد، برز محمد عهد بنسودة كمخرج يمتلك رؤية خاصة وقدرة لافتة على إدارة الممثلين وبناء الحكاية السينمائية، سواء في الفيلم الطويل أو القصير أو في الأعمال التلفزيونية، وتميزت تجربته بالجمع بين الحس الفني والاشتغال المهني الدقيق، ما جعله يحظى بثقة المنتجين والممثلين على حد سواء، ويعتبر من الأسماء التي أسهمت في ترسيخ تقاليد اشتغال احترافية داخل عدد من التجارب السينمائية والتلفزيونية المغربية.
راكم الراحل رصيدا مهما من الأعمال، من بينها أفلام سينمائية مثل “موسم المشاوشة”، و”خلف الأبواب المغلقة”، و”البحث عن السلطة المفقودة”، إضافة إلى عدد من الأفلام القصيرة التي نالت جوائز وتنويهات في مهرجانات دولية، من بينها “الجرة”، و”الصمت المغتصب”، و”الواجهة” و“مطلقات الدار البيضاء”.
كما خاض تجربة التلفزيون من خلال أعمال درامية وكوميدية، من قبيل “مستر سنسور”، و”الصك وغنيمة”، و”عين كبريت”، مؤكدا حضوره في أكثر من جنس فني وقدرته على التأقلم مع متطلبات كل تجربة.
ولم يقتصر مسار محمد عهد بنسودة على الإخراج فقط، بل امتد إلى الاشتغال في مختلف مراحل صناعة الفيلم، حيث راكم تجربة دولية مهمة كمساعد مخرج ومشارك في الإنتاج في عدد من الأفلام العالمية، إلى جانب أسماء سينمائية وازنة، من قبيل كلود ليلوش، وجوزيبي تورناتوري، وجان ديلانوي، وهي التجارب التي أكسبته خبرة واسعة ورؤية منفتحة على السينما العالمية، انعكست لاحقا على اختياراته الفنية وأساليبه الإخراجية.
وحظي الراحل بتقدير دولي توج بحصوله على جائزة لجنة التحكيم الخاصة بالمهرجان الدولي للفيلم بروتردام، وجائزة مماثلة بمهرجان مسقط الدولي سنة 2010، إلى جانب جوائز أخرى عن أفلامه القصيرة، ما جعله واحدا من المخرجين المغاربة الذين بصموا حضورهم خارج الحدود، وأسهموا في التعريف بالسينما المغربية في محافل دولية مرموقة.
برحيله، خيم حزن عميق على الوسط الفني المغربي، حيث عبر عدد من المخرجين والممثلين والمنتجين عن صدمتهم لفقدان قامة فنية وإنسانية وُصفت بالهادئة والمخلصة لفنها.
وأجمع عدد من زملاء محمد عهد بنسودة على أنه كان إنسانا نبيلا قبل أن يكون مخرجا، معروفا بتواضعه وحكمته وقدرته على خلق أجواء عمل إيجابية، إضافة إلى سخائه المهني واستعداده الدائم لمواكبة المشاريع الشابة ودعمها.
واستحضر السيناريست عبد الإله حمدوشي علاقته القوية بالراحل، مؤكدا أن فقدانه لا يعني فقط غياب مخرج مقتدر، بل رحيل صديق وأخ، جمعتهما أعمال مشتركة ناجحة، ومشاريع مستقبلية كان يعول عليها كثيرا.
كما عبّر ممثلون اشتغلوا معه عن حزنهم العميق، مؤكدين أن الراحل كان يتمتع بقدرة خاصة على التواصل الإنساني، وبحس فني يجمع بين الصرامة والإنصات.
من جهته، استحضر الممثل يونس الهري علاقته القريبة بالراحل، مؤكدا أن التواصل لم ينقطع بينهما، وأن مشاريع عدة كانت تجمعهما، قبل أن يفاجئه الرحيل، معبّرا عن حزنٍ صادق لفقدان “أخ عزيز” كما وصفه.
أما الممثل والمخرج رشيد الوالي، فكتب أن رحيل عهد بنسودة “ليس خبرا عابرا”، بل وجعٌ نزل على القلوب دفعة واحدة، مبرزا أن الراحل كان “إنسانا قبل الكاميرا”، بحضور هادئ وأثر عميق، متقدما بتعازيه لعائلته الصغيرة والكبيرة، مؤكدا أن أثر بنسودة الإنساني سيظل أصدق من الغياب.
بدوره، عبر المنتج حسين حنين عن ألمه لفقدان صديق وصفه بالنبيـل والفنان الصادق، فيما اعتبر خالد سلي، مدير المهرجان الدولي المغاربي للفيلم بوجدة، أن الساحة فقدت “مبدعا أصيلا ورجلا نبيلا” عُرف بطيبته وحكمته وتواضعه، وبقدرته على تحويل التحديات إلى أمل.
وشدد عدد من الفاعلين السينمائيين على أن رحيل محمد عهد بنسودة يشكل خسارة حقيقية للسينما المغربية، باعتباره واحدا من المخرجين الذين اشتغلوا بعيدا عن الأضواء، لكنهم أسهموا في بناء مسار متين، قائم على الجودة والتراكم والتكوين المستمر، وفتحوا آفاقا جديدة أمام جيل كامل من السينمائيين.
وبرحيل محمد عهد بنسودة، تفقد السينما المغربية مبدعا من روادها المعاصرين، وصوتا هادئا آمن بقوة الصورة وبأخلاق المهنة، وترك وراءه إرثا فنيا وإنسانيا سيظل حاضرا في ذاكرة زملائه ومحبيه، وفي تاريخ سينما اختار أن يخدمها بإخلاص وصمت.
المصدر:
هسبريس