في خضم النقاش المتزايد حول قضايا الصحة النفسية واضطرابات النمو يظل اضطراب طيف التوحّد من أكثر المواضيع التي تستدعي مقاربات علمية دقيقة، خاصة حينما يتعلق الأمر بالكشف المبكر وضمان تكافؤ الفرص في التشخيص والرعاية. ومع التطور المتسارع للتكنولوجيا الرقمية بدأت أدوات غير تقليدية تفرض نفسها في مجال البحث العلمي، وتفتح آفاقًا جديدة لفهم الدماغ الإنساني خارج جدران المختبرات المغلقة.
في هذا السياق أثبتت دراسة علمية أُجريت داخل مراكز مؤسسة محمد الخامس للتضامن، أُشرف عليها البروفيسور المغربي عبد السلام الإدريسي، أستاذ علم الأعصاب المعرفي والسلوكي والتنموي بجامعة مدينة نيويورك، بتعاون مع باحثين من BlinkLab، ما سمح بالجمع بين الخبرة السريرية وعلوم الأعصاب والتكنولوجيا القابلة للتوسع، أن القياسات الدماغية المتقدمة يمكن أن تكون متاحة وشاملة وقابلة للتطبيق في الواقع.
وتسلط الدراسة الضوء على تجربة بحثية حديثة اعتمدت الهاتف الذكي كوسيلة لرصد مؤشرات عصبية-سلوكية دقيقة مرتبطة بالتوحّد، في بيئات واقعية ومع أطفال من فئات اجتماعية مختلفة، ومن عائلات ومجتمعات غالبا ما تكون ممثلة تمثيلا ناقصا في أبحاث التوحد.
البروفيسور عبد السلام الإدريسي أكد في تصريح لهسبريس أنه غالبا ما يُنظر إلى التوحد على أنه صعوبات في التفاعل الاجتماعي والتواصل، وهذا صحيح جزئيا؛ لكن قبل أن تظهر هذه التحديات بوضوح يكون كثير من الأطفال أظهروا بالفعل اختلافات دقيقة في الطريقة التي تستجيب بها أدمغتهم للأصوات، والضوء، والحركة: تفاصيل صغيرة (رمشة عين لا تأتي في توقيتها المتوقع. جسد يتحرك أكثر مما نظن). هذه الاختلافات حقيقية ولها معنى، لكنها غالبا ما تمر دون انتباه، وعادة يتم رصدها من خلال الملاحظة أو تقارير مقدمي الرعاية، وهي أمور قد تختلف حسب المكان أو المختص أو حتى حسب سلوك الطفل نفسه وقت تقييم الاضطراب.
ويضيف المتحدث ذاته أن القائمين على الدراسة أشركوا أطفالا تتراوح أعمارهم بين ثلاث سنوات واثنتي عشرة سنة للقيام بنشاط قصير يشبه اللعبة، أُجري داخل مراكز مؤسسة محمد الخامس للتضامن في مختلف مناطق المغرب. وكان الأطفال يشاهدون مقطع فيديو على الهاتف، بينما يسمعون أصواتا قصيرة جدا عبر سماعات الأذن. وبالموازاة مع ذلك كان تطبيق علمي منزل على الهاتف يخزن عبر كاميرا الهاتف عدد رمشات العين، وحركات الوجه، وتغيرات وضعية الجسم، وأصواتا بسيطة غير لفظية، ويجعل من مشاهدة الطفل الهاتف اختبارا عصبيا سلوكيا مصمما بدقة، يجمع بين الرؤية الحاسوبية وعلوم الأعصاب لالتقاط الاستجابات التلقائية للجسم.
واعتبر الإدريسي أن هذه الدراسة تمثل تقدما مهما في أبحاث التوحد، إذ تُظهر أن اختلافات عصبية مبكرة يمكن رصدها باستخدام الهاتف الذكي وفي بيئات طبيعية خارج المختبر. ويتيح هذا النهج القابل للتوسع الكشف المبكر والتدخل في وقت حاسم من نمو الدماغ، مع توسيع الوصول إلى أدوات علمية دقيقة لفئات سكانية كانت أقل تمثيلا في الأبحاث السابقة.
ويبرز البروفيسور ذاته أنه عندما تم تحليل بيانات أكثر من 500 طفل ظهر نمط واضح، مفاده أن الأطفال المصابين بالتوحد استجابوا للأصوات بطريقة مختلفة، وكانت انعكاسات رمش العين لديهم أكثر تقلبا، وكان دماغهم أقل كفاءة في تصفية الأصوات غير المهمة؛ كما أن استجاباتهم تغيرت بمرور الوقت بشكل غير متوقع. وإلى جانب هذه الاختلافات الانعكاسية ظهرت سلوكيات محددة بشكل متكرر: الابتعاد عن الشاشة، زيادة حركة الرأس والجسم، فتح الفم بشكل متكرر، إصدار أصوات غير كلامية، وأنماط غير معتادة لحركة العين. ولم تكن هذه ملاحظات فردية أو انطباعات شخصية، بل بصمات ثابتة وموضوعية التقطها الهاتف الذكي.
ويضيف المتحدث أن ما يمنح هذه النتائج أهميتها الخاصة هو مكان وطريقة إجراء البحث، فقد أُجريت الدراسة داخل مراكز مؤسسة محمد الخامس للتضامن بالمغرب. كما أن عامل التوقيت يدخل في صلب أهمية هذا البحث؛ فالاختلافات الحسية الحركية غالبا ما تظهر قبل اكتشاف تأخر اللغة أو التعامل الاجتماعية لدى الطفل، وأحيانا قبل سنوات من التشخيص الرسمي للتوحد. ومن خلال رصد هذه الفروق في وقت مبكر تفتح هذه الأداة المعتمدة على خوارزميات الهاتف الذكي الباب أمام الكشف المبكر، في مرحلة يكون الدماغ أكثر قابلية للتكيف، ويكون للتدخل أثر أكبر.
هذه الأداة لا تهدف إلى استبدال التشخيص السريري، بل إلى أن تكون إشارة إنذار مبكرة، تساعد الأسر والأطباء على تحديد متى قد يكون من المفيد إجراء تقييم أعمق. وهناك أيضا ما هو واعد على المدى البعيد؛ فبما أن هذه القياسات موضوعية وقابلة للتكرار يمكن استخدام الأداة نفسها لمتابعة تطور حالة الطفل، وتقييم استجابته للعلاج، ودعم تدخلات أكثر تخصيصا مبنية على الخصائص الحسية لكل طفل.
وفي الختام أكد البروفيسور بجامعة مدينة نيويورك أن الدراسة في جوهرها تُظهر أن التوحد يترك آثارا قابلة للقياس في الطريقة التي يستجيب بها الدماغ للصوت والحركة، وأن هذه الآثار يمكن رصدها باستخدام أداة مألوفة مثل الهاتف الذكي. ومن خلال تحويل التكنولوجيا اليومية إلى أداة علمية يقربنا هذا العمل من التشخيص المبكر، والتدخل المبكر، من أجل تحسين نتائج العلاج.
من المنتظر أن تفتح هذه الدراسة آفاقًا جديدة أمام النقاش العلمي والمجتمعي حول التوحّد، ليس فقط من زاوية التشخيص، بل من حيث العدالة في الولوج إلى أدوات الكشف المبكر. وبينما مازالت الحاجة قائمة إلى التقييم الطبي المتخصص فإن توظيف التكنولوجيا اليومية في البحث العلمي يؤشر على تحول جذري قد يساهم مستقبلًا في تحسين مسارات الكشف المبكر والعلاج المبكر لاضطراب التوحد، خاصة في السياقات التي تعاني من محدودية الموارد.
المصدر:
هسبريس