تشهد منطقة الساحل الإفريقي منذ بداية عام 2026 تصاعدا ملحوظا في نشاط الجماعات المسلحة والتهديدات العابرة للحدود، وسط مخاوف متزايدة من تداعيات أمنية قد تمتد إلى دول الجوار.
وأثار وصول تنظيم داعش إلى قلب النيجر حالة من القلق الإقليمي، بعد الهجوم الذي استهدف مطار نيامي الدولي، والذي يرى مراقبون أنه يعكس إعادة ترتيب التنظيم لصفوفه وأدواته في منطقة الساحل الإفريقي، بما يمنحه قدرة متزايدة على اختراق المنظومات الأمنية في المنطقة.
وسبق أن حذرت الأمم المتحدة من أن الوضع الأمني في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل يزداد تعقيدا، ويتجاوز النطاق الإقليمي ليشكل تهديدا عالميا متصاعدا، في وقت عبر فيه الأمين العام أنطونيو غوتيريش عن مخاوفه من خطر "تأثير الدومينو الكارثي" عبر المنطقة بأسرها.
في قلب منطقة الساحل، تظل دول مالي وبوركينا فاسو والنيجر الأكثر تعرضا للاضطرابات المسلحة، حيث تجاوزت العمليات الإرهابية نمط حرب العصابات التقليدية إلى استهداف منشآت سيادية، مثل القواعد العسكرية والمطارات، إلى جانب محاولات فرض حصارات على مراكز المدن والأهداف الحكومية، في محاولة لإضعاف مؤسسات الدولة واستنزاف قدراتها الأمنية.
ووفق مشروع "بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة"، سجلت منطقة تيلابيري في النيجر مستويات مرتفعة من العنف، مع تصاعد ملحوظ في وتيرة الهجمات خلال الفترة الأخيرة، حيث وسعت التنظيمات الجهادية نطاق عملياتها ضد المدنيين والأهداف الحكومية.
كما تشهد مالي وبوركينا فاسو انتشارا واسعا لجماعات، مثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل، ما أدى إلى اتساع المساحات التي فقدت فيها السلطات السيطرة الفعلية، بحسب منصة "التحليل الأمني الإفريقي"، التي أشارت إلى أن ضعف التنسيق الإقليمي وتفكك آليات التعاون مع مجموعة "إيكواس" أسهما في توسيع نطاق العنف، وأضعفا القدرة الجماعية على مواجهة التهديدات المتنامية.
وينصب ثقل تحركات تنظيم داعش داخل نطاق المثلث الحدودي الرابط بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، إلى جانب تمدد واضح في شمال شرق نيجيريا، ولا سيما في المناطق المحيطة ببحيرة تشاد، التي تشكل بيئة جغرافية وأمنية معقدة تسهل تحركه.
وذكرت مجموعة الأزمات الدولية أنه من المرجح أن يسعى المقاتلون إلى ترسيخ سيطرتهم على المناطق الريفية والضغط على السلطات العسكرية في مالي بدلا من السيطرة المباشرة على المدن، كما هو الحال في بوركينا فاسو المجاورة.
وأضافت المجموعة أن الحرب في منطقة الساحل قلبت المشهد السياسي رأسا على عقب، مشيرة إلى أن الاستياء الشعبي الناتج عن فشل القوات الأجنبية، بقيادة فرنسا، في احتواء الجماعات المسلحة، ساهم في اندلاع الانقلابات العسكرية في الدول الثلاث بين عامي 2020 و2023.
وعاد الجنوب الليبي إلى واجهة التوترات الأمنية عقب هجوم مسلح استهدف معبر التوم الحدودي وعددا من النقاط العسكرية في الشريط الجنوبي الغربي المحاذي لدولة النيجر، في تطور يعكس حجم التحديات الأمنية التي تواجه واحدة من أكثر المناطق الحدودية هشاشة في القارة الإفريقية.
ويشكل الجنوب الليبي معابر خلفية محتملة لتحركات الجماعات المسلحة القادمة من النيجر ومالي، بما يضمن تدفق السلاح والوقود عبر الصحراء الكبرى، وهو ما قد يعيد تنشيط شبكات التوتر في المنطقة، في ظل ضعف السيطرة الأمنية واتساع الفراغات الجغرافية، الأمر الذي يجعل ليبيا أكثر عرضة لامتداد وتغلغل الجماعات المسلحة، بما يهدد التوازن الأمني الهش في البلاد.
وفي السياق ذاته، سجلت بنين وتوغو محاولات اختراق إرهابية في المناطق الشمالية، ما يثير مخاوف من انتقال تهديدات العنف إلى مناطق ساحلية حيوية اقتصاديا، ترتبط بممرات التجارة الدولية في خليج غينيا، وهو ما ينذر بتوسيع نطاق التهديد.
تصاعد الأنشطة في الساحل الإفريقي
بدوره، قال مدير مركز رصد الصراعات في الساحل الإفريقي، محمد علي كيلاني، إن "منطقة الساحل الإفريقي تشهد تصاعدا ملحوظا في الأنشطة الإرهابية، خاصة في المثلث الحدودي بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو (ليبتاكو غورما)، بالإضافة إلى تهديدات الجماعات الإرهابية الأخرى، مثل القاعدة وداعش في الصحراء الكبرى، التي تستغل الفراغ الأمني والصراعات الداخلية لتنفيذ هجماتها، مما يهدد الاستقرار الإقليمي في منطقة الساحل الإفريقي، ويؤثر على جنوب ليبيا والسودان، وهما الدولتان اللتان تشهدان أوضاعا أمنية معقدة".
وشدد كيلاني، في تصريحات لموقع سكاي نيوز عربية، على أن الوضع الأمني في منطقة الساحل الإفريقي يشهد تدهورا كبيرا بسبب النشاط الإرهابي المتزايد، حيث تعاني ست دول إفريقية تم تصنيفها ضمن العشرة الأكثر تضررا من الهجمات الإرهابية، وهي: بوركينا فاسو، مالي، النيجر، نيجيريا، الصومال، والكاميرون، وسجلت فيها 51 بالمئة من الوفيات العالمية الناتجة عن العمليات الإرهابية.
وبين أن انتشار الجماعات الجهادية يمثل تهديدا مباشرا لدول المنطقة، لا سيما أنها تتغذى على البيئة التي تخلفها الجريمة المنظمة، وتهريب الذهب والأسلحة والمخدرات، إضافة إلى الصراعات المحلية التي تضيف بعدا جديدا لاستمرار تمدد تلك الجماعات.
وأوضح في الوقت ذاته أن إخفاقات البعثات الأمنية للدول الغربية، وعلى رأسها دول الاتحاد الأوروبي، أسهمت في تعقيد جهود الاستقرار، نظرا لاعتمادها على شركاء محليين يفتقرون في كثير من الأحيان إلى الشرعية السياسية.
ومن واشنطن، قال الباحث الأميركي المتخصص في شؤون الأمن القومي، سكوت مورغان، في حديث لموقع سكاي نيوز عربية، إن "الوضع في مالي والنيجر يتدهور بشكل متزايد، لا سيما بعد نجاح جماعة نصرة الإسلام في تعطيل وصول إمدادات الوقود القادمة من السنغال".
وأشار مورغان إلى أن "الحدود مع كوت ديفوار وغانا ستظل مناطق تستحق التركيز والرصد المستمر، في ظل تصاعد التهديدات الأمنية".
الموقف الأميركي
وبشأن الموقف الأميركي مما يجري في منطقة الساحل، لفت مورغان إلى أن "واشنطن ترسل رسائل مختلطة، ففي حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الضربة العسكرية في نيجيريا جاءت ردا على اضطهاد المسيحيين، يشير موقع العملية إلى مخاوف من نشاط تنظيم داعش في المنطقة، كما تهدف إلى تعزيز صورة الولايات المتحدة كشريك أمني موثوق".
ونقلت رويترز عن قائد القيادة الإفريقية للقوات الأميركية، داجوين أندرسون، أن بلاده أرسلت قوة عسكرية صغيرة إلى نيجيريا بعد اتفاق البلدين على تعزيز التعاون لمكافحة الإرهاب في غرب إفريقيا.
ومن العاصمة نيامي، قال الكاتب والباحث في العلاقات الدولية، إبراهيم جيرو، في حديث لموقع سكاي نيوز عربية، إن منطقة الساحل الإفريقي تشهد منذ بداية عام 2026 تصاعدا ملحوظا في التهديدات الأمنية، وصلت إلى مستويات غير مسبوقة من القلق لدى الشعوب، لا سيما عقب الهجوم المفاجئ الذي استهدف مطار نيامي.
وأوضح جيرو أن "الهجوم المنسوب لتنظيم داعش كان مفاجئا ومباغتا، وأثار حالة من القلق الواسع، خاصة أن مثل هذه الهجمات كانت تتركز سابقا في القرى والمناطق النائية بعيدا عن العاصمة، وبالتالي فإن انتقال الهجمات إلى نيامي يمثل تطورا خطيرا، كون العاصمة تعد أكثر مناطق البلاد استقرارا وأمنا".
وأضاف أن "استهداف موقع استراتيجي، مثل القاعدة العسكرية 101، يعكس خطورة المخطط، إذ إن هذا الموقع يعد مركزا رئيسيا لتمركز القوات العسكرية في النيجر، ما يجعل الهجوم عليه محاولة مباشرة لزعزعة استقرار الدولة".
واعتبر أن "التدخل الأميركي في منطقة الساحل يثير مخاوف كبيرة أكثر مما يحقق من أثر فعلي على الجماعات الإرهابية، فمثلا، الضربات على نيجيريا لم تستهدف مواقع الإرهابيين بشكل مباشر، ما يجعل تأثيرها على مكافحة الإرهاب محدودا".
المصدر:
سكاي نيوز