بينما يقوم المغرب بمجهودات استباقية مكثفة لإجلاء السكان بالقصر الكبير وغيرها وتواصل المياه اجتياح بعض المناطق وإغراقها، تُحفر ندبات الصدمة في نفوس الناس أمام يعاينونه من أهوال الموقف وترسخ في الذاكرة.
في حالات الكوارث المروعة، عندما لا تقتصر الخسائر على الممتلكات والمنازل فحسب، بل تمتد لتشمل سلامة النفس واستقرار العاطفة لدى السكان الذين يواجهون خوفا دائما وقلقا من المجهول؛ فيما غياب أي دعم نفسي مباشر يزيد من عمق الصدمة ويترك آثارا قد تستمر حتى بعد هدوء الأمطار وانكسار موجات المياه. هذا الواقع يفتح الباب أمام تساؤلات حقيقية حول كيفية توفير مواكبة نفسية فعّالة أثناء الكوارث الطبيعية، ودور المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني في حماية الصحة النفسية للمتضررين.
وفقا لمنظمة الصحة العالمية، فإن حالات الطوارئ والكوارث تؤدي إلى أثر نفسي واسع النطاق على الأفراد والمجتمعات، حيث تتطلب هذه الحالات توفير خدمات الصحة النفسية كجزء أساسي للاستجابة الإنسانية وليس كجزء ثانوي للخدمات.
وفي دراسة أكاديمية عن الناجين من فيضانات مدينة درنة الليبية، وجد الباحث معد هذه الدراسة أن عددا كبيرا من الناجين يعانون من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، وأن الدعم النفسي الاجتماعي مرتبط ارتباطا قويا بالتعافي.
في هذا السياق، تتمثل التأثيرات النفسية الأكثر شيوعا عقب الكوارث الطبيعية حسب الدكتور محسن بن زاكور، أستاذ علم النفس الاجتماعي، في حالات ومراحل مختلفة؛ “أولاها حالة الصدمة الأولى التي تعد أساس الانهيار النفسي الناجم عن الخوف من فقدان الحياة؛ ثم تليها الصدمات المتعلقة بعدم القدرة عن التخلي، وهي أقل حدة من سابقتها وتتمثل في الحالات التي نشهدها اليوم بين كبار السن الذين رفضوا مغادرة مساكنهم على آخر العمر رغم درايتهم التامة بالخطر المحدق بهم”. ويرجع ذلك إلى اعتقادهم بعدم القدرة على البناء من جديد، وتعلقهم بالأماكن التي ينتمون إليها.
وأشار بن زاكور أيضا إلى الفئات التي لها قابلية نفسية أو “النفسية الهشة” مثل حالات القلق أو الاكتئاب، والتي تعاني من تهويل الوضع خصوصا مع تتبع الأحداث مما يخلق فجوة في مخيلتها بين الوضع الواقعي وبين ما هو متخيل لها.
لكن بالمقابل، أكد أستاذ علم النفس الاجتماعي أن الأمر لا يمكن تعميمه، إذ “شاهدنا حالات نفسية تمثل الناحية الإيجابية بامتياز، تلك التي تتمثل في فئة الشباب بالأساس والتي أبانت عن شجاعة وصلابة نفسية كبيرة من خلال تطوعها للمساعدة على الإجلاء”.
وشدد بن زاكور على ضرورة أن يتم التعجيل بالمتابعة النفسية العاجلة والمبكرة للمتضررين نفسيا، وخاصة في وضعية هشة ككبار السن والأطفال والتي تعتبر حالتهم مستعجلة وأي تأخير لوضعهم فهو مثل مغامرة بحالة جسدية تحتاج إلى إنعاش”.
وعلمت جريدة هسبريس الإلكترونية من حديثها مع أخصائيين نفسانيين مغاربة أنهم يعتزمون التوجه إلى مدن متضررة من الفيضانات؛ من بينها العرائش والقصر الكبير.
وفي هذا الصدد، صرح فؤاد يعقوبي، المختص في علم النفس الاجتماعي ورئيس الجمعية المغربية للباحثين والأخصائيين النفسيين الاجتماعيين بالمغرب، بأن الجمعية تعقد جهودها من أجل الاستعداد للتوجه إلى مدينة العرائش وقد تواصلت مع الجهات المعنية بالمدينة لمواكبة الأوضاع النفسية للمتضررين والنازحين من بيوتهم.
المصدر:
هسبريس